الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
  بعد أن بينا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمزالق والمخاطر الناجمة عن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. نعرِّج ـ بإذن الله تعالى ـ إلى بيان حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعض المسائل المتعلقة بهذا الحكم، مستلهمين من الله تعالى السداد والتوفيق.
أما حكمه: فهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بحسبه؛ أي بحسب علمه وقدرته واستطاعته، ومكانته، وحاجة الظرف الذي يعيشه أو يُصادفه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن:16. وهذه الآية المعني بها جميع المسلمين ومن دون استثناء؛ فالكل مخاطب ومُطالب بأن يتقي الله ما استطاع، ومن تقوى الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل بحسب علمه واستطاعته.
هذا هو الحكم العام، وهذا هو الأصل، دلَّ عليه، قوله -صلى الله عليه وسلم-:" كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته " البخاري. فهذا الحديث عام وشامل لكل المسلمين ومن دون استثناء؛ فكل مسلمٍ راع وهو مسؤول عما استرعاه الله إياه، ومن الرعاية والمسؤولية؛ أن يُحيط الراعي رعيته وما استرعاه الله إياه بالنصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من رأى منكم منكراً فليغيِّرْهُ بيدِه، فإنْ لم يستطعْ فبلسانِه، فإن لم يستطع فبِقَلْبِه؛ وذلك أضعفُ الإيمان " مسلم.
وفي رواية عند النسائي:" من رأى منكم منكراً فغيَّره بيده؛ فقد بَرِئَ، ومن لم يستطع أن يغيِّرَهُ بيده فغيره بلسانه؛ فقد بَرِئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيَّرَهُ بقلبه؛ فقد برئ، وذلك أضعفُ الإيمان "[1].
فقوله -صلى الله عليه وسلم- " من رأى منكم "؛ عام وشامل لجميع المسلمين المكلفين، ومن دون استثناء أحدٍ منهم؛ أي كل من رأى منكم منكراً فليغيره؛ فعل أمرٍ يفيد الوجوب .. ومما يدل على هذا الشمول والعموم في التكليف، خيارات تغيير المنكر الواردة في الحديث، والشاملة لجميع شرائح المسلمين ومستوياتهم وقدراتهم؛ فالقوي المتمكن يغير المنكر بيده، والأقل منه قوة وتمكيناً يغير بلسانه، والضعيف الذي لا يقدر على واحد من الخيارين الآنفي الذكر ينكر ويغير بقلبه .. وهو أضعف الإيمان .. وهذا الخيار الأخير لا يُستثنى منه مسلم في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان، كما في الحديث الآخر:" فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خردلٍ " مسلم.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- " فقد بَرِئَ "؛ مفهوم المخالفة يقضي بأن من لم ينكر المنكر ـ أياً كان .. وكل بحسبه ـ لم يبرأ من الذنب والمؤاخذة والمحاسبة يوم القيامة.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا يمنعنَّ رجلاً هيبةُ الناسِ أنْ يقولَ بحقٍّ إذا عَلِمَهُ؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجلٍ ولا يُبعدُ من رِزْقٍ "[2]. وهذا عام وشامل لكل رجل مسلم؛ فهو مطالب بأن يصدع بالحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ـ بشرطه؛ وهو العلم بما يصدع به ـ وأن لا يمنعنَّه من القيام بهذا الواجب الرهبة أو الهيبة من الناس وملأهم.
ونحوه قوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نَفسَه " قالوا: يا رسولَ الله كيف يَحقِرُ أحدُنَا نَفْسَه؟ قال:" يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً، ثمَّ لا يَقولُ فيه، فيقولُ اللهُ -عز وجل- يومَ القيامة: ما منعَكَ أن تقولَ فيَّ كَذا وكذا؟ فيقول: خشيةَ النَّاسِ. فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أن تخشَى "[3].
وقوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نَفسَه "؛ وهذا خطاب للمسلمين جميعاً من دون استثناء؛ أي لا يستخفن أحدُكم نَفسَه، وبقيمة دوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتصاف للحق ـ فيحتقر نفسه في الموارد والمواضع التي يتعين عليه فيها أن يصدع بما يعلم من الحق، فيقول لنفسه: من أنا حتى أقول وآمر، ثم ليتحمل تبعات البيان والصدع بالحق غيري ـ فيحمله هذا الاستخفاف والاحتقار والخشية من الناس على التفريط بما يجب عليه من البيان والصدع، والانتصار للحق وأهله!
وفي الأثر عن عبد الله بن مسعود، قال: إذا رأيت الفاجرَ فلم تستطِعْ أن تُغيِّر عليه فاكفَهِرَّ في وجهه "[4].
ومما يؤكد على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع المكلفين من المسلمين، شيوع المنكر في كل زِقٍ وشارع، وبيت ومكان .. وبخاصة في القرون والعصور المتأخرة بعد القرون الخيرة الثلاثة التي أثنى عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- خيراً .. فقد شاع المنكر والفساد في كل مكان .. وتعددت وسائله بصورة فاقت الخيال .. وبالتالي حصر مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في فئة معينة من الناس مهما كانت كبيرة .. لا يمكنهم من الوصول إلى كل منكر في مكانه .. وفي زمن حصوله من غير تأخير .. وبالتالي التقصير سيحصل ولا بد .. وهو لا يندفع إلا بتعميم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عامة المسلمين، وكل في مكانه وموقع تواجده .. وبحسب استطاعته .. فتغيير المنكر واجب .. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومما يدل كذلك على هذا العموم والشمول في التكليف مبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وأمره -صلى الله عليه وسلم- لمن يجلس بالطرقات بأن يعطوا الطريق حقه؛ ومنه رد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. وكذلك توجيهه -صلى الله عليه وسلم- لفقراء المسلمين بأن يتصدقوا؛ وعد من الصدقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ونحو ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- بأن على كل عظم أو مفصل من مفاصل الإنسان ـ وتعدادها ستون وثلاثمائة مفصل ـ صدقة في اليوم الواحد، وعدَّ -صلى الله عليه وسلم- من الصدقات المعدودات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وقوله -صلى الله عليه وسلم- " ليس مِنَّا من لم يأمر بالمعروف، وينه عن المنكر " .. وغيرها من النصوص والتوجيهات النبوية التي تدل على أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الجميع ومن دون استثناء، وكل بحسبه.
وفي القرآن الكريم، قوله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عن المُنكَرِ}التوبة:71. فدخول " أل " التعريف على المؤمنين والمؤمنات، يفيد العموم والشمول؛ أي كل المؤمنين والمؤمنات {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عن المُنكَرِ}.
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/65: وإذا كان جماع الدين، وجميع الولايات هو أمر ونهي؛ فالأمر الذي بعث الله به رسولَه هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعتُ النبي والمؤمنين، كما قال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عن المُنكَرِ}. وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره .. فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن:16. ا- هـ.
هذا الذي تقدم لا يتعارض ولا يمنع من أن تنهض فئة أو طائفة من المؤمنين تتخصص وتتفرغ وتتصدى لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وتكون هذه الطائفة من ذوي الكفاءات والقدرات المميزة التي تمكنهم من القيام بهذا الواجب على أكمل وجه، كما قال تعالى:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}آل عمران:104.
فقوله تعالى:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ}؛ أي طائفة تنتصب وتتفرغ وتتخصص لمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال ابن كثير في التفسير: قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة؛ يعني المجاهدين والعلماء .. والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه ا- هـ.
ونحو ذلك، قوله تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}التوبة:122. هذه الطائفة التي تنفر من كل فرقة لتتفقه في الدين .. من مهامها وواجباتها أنها تنتصب للدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو معنى الإنذار الوارد في الآية أعلاه.
فإن قيل: متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإن من أهل العلم من صرَّح بأنه فرض على الكفاية؛ إن قام به نفر سقط الواجب عن الآخرين .. فكيف نوفق بين قولهم هذا وبين ما تقدم بأنه واجب على جميع المكلفين من المسلمين؟
أقول: لا تعارض إن شاء الله؛ إذ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صور وحالات إن قام بها نفر من المسلمين سقط حكم الوجوب عن الآخرين، مثال ذلك: منكر حصل في شارع من الشوارع .. أو في مكان من الأمكنة .. شهده مائة شخص .. أنكر هذا المنكر وأزالوه خمسة منهم فقط .. فزال المنكر تماماً بإنكارهم .. في هذه الحالة ومثيلاتها .. يسقط الوجوب عن البقية الذين شهدوا المنكر مهما كان تعدادهم؛ إذ المهم والواجب أن يُزال المنكر .. لا أن يُشارك كل من شهد المنكر في إزالته .. فإن استعصى إزالة المنكر على الخمسة، تعين الوجوب على البقية؛ على كل من شهد المنكر أن يُساهم ويُشارك بحسب استطاعته في إزالة هذا المنكر .. فإن زال المنكر ببعضهم ـ قلوا أم كثروا ـ سقط الوجوب عن البعض الآخر .. فهذه الصورة ومثيلاتها هي المعنية من قول بعض أهل العلم بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية.
وقولنا " سقط الوجوب عن البعض الآخر "؛ أي في إزالة هذا المنكر تحديداً .. إذ الوجوب يطالهم في مواضع أخرى .. وحالات أخرى .. وفي عمليات أخرى من عمليات ومهام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن عمليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير محصورة في زمن ومكان محددين ثم ينتهي الأمر؛ بل هي عمليات مطلقة وشاملة لكل زمان ومكان .. وبخاصة في زماننا هذا الذي شاع فيه المنكر في جميع جوانب الحياة.
مثال آخر: منكر عام ظاهر مسلح بأسباب القوة والمنعة .. ينتدب له السلطان المسلم أو من ينوب عنه من ذوي الشوكة والمنعة من يستأصله ويُزيله .. فإن زال المنكر بهم .. سقط الوجوب عن الآخرين .. وإن لم يزل تعين على الآخرين المساهمة ـ كل بحسب استطاعته ـ في إزالته إلى أن تتحقق الكفاية على إزالة المنكر .. فهذه الصور ومثيلاتها هي المعنية من قول بعض أهل العلم بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية.
فإن عُلم ذلك عُلِم عدم التعارض بين القولين ولله الحمد، وتبين أن لكل من القولين معناه وموضعه وتوجيهه المناسب الذي لا يتعارض مع الآخر.
فإن قيل: كيف نوفق بين أدلة القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الجميع، وكل بحسبه، وبين قوله تعالى:{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}الحج:41. فالآية بينت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص ووظائف الممكنين في الأرض، وليس كل مسلم مكلف ممكن في الأرض؟
أقول: لا تعارض بين القولين ولله الحمد؛ فالممكنين في الأرض يأمرون بمطلق المعروف، وينهون عن مطلق المنكر، بما في ذلك إقامة الحدود الشرعية على مستحقيها، بينما الأقل منهم تمكيناً، أو المستضعفون من المسلمين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بحسب استطاعتهم، فالله تعالى لا يُكلف نفساً إلا وسعها، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وبذلك ينتفي التعارض، ويتضح التوفيق، ولله الحمد.
خلاصة القول: أن المرء كلما ازداد تمكيناً وظهوراً وقوة وعلماً .. كلما تعين عليه مزيد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وتوسعت مساحة الأمر والنهي التي ينبغي عليه أن يملأها ويقوم بها .. وعلى قدر ظهوره ودرجة تمكنه وعلمه من غير زيادة ولا نقصان .. وكلما ازداد ضعفاً وعجزاً كلما ضاقت مساحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحقه، وأقيلت عثرته، على قدر ضعفه وعجزه من غير زيادة ولا نقصان .. فما يجب على القوي القادر المستطيع .. لا يجب على الضعيف العاجز .. لذلك ورد النص بأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.
 

[1] رواه النسائي، صحيح الترغيب: 2302.
[2] رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 168.
[3] قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقاة. وقال أحمد شاكر في العمدة 1/701: إسناده صحيح.
[4] قال الهيثمي في المجمع 7/276: رواه الطبراني باسنادين؛ في أحدهما شريك وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقوله " فاكفَهِرَّ في وجهه "؛ أي قطِّب حاجبيك، واعبس في وجهه.

   
F ¥ E