الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
  5- أن لا يؤدي الأمر بالمعروف إلى تفويت معروفٍ أعظم منه، ولا أن يؤدي النهي عن المنكر إلى منكرٍ أكبر منه أو موازٍ له: فإذا كان الأمر بالمعروف سيؤدي إلى تفويت معروف أكبر منه أمسك عن الأمر به التماساً لطلب المعروف الأكبر، مثاله: حرص المرء على تحصيل النوافل على حساب الفرائض؛ فهذا خطأ، والصواب أن يقدم طلب الفرض على ما دونه من الأعمال في حال تعذر الجمع بينهما، ونحو ذلك الانشغال بفرض يحتمل التأخير، على فرضٍ لا يقبل التأخير أو التأجيل، كمن يعظ الناس ويأمرهم بالمعروف، فجاءه رجل ـ وهو في هذه الحالة ـ فقال له أريد أن أسلم، فماذا أقول، وماذا أفعل .. فيتعين عليه حينئذٍ ترك موعظته ودرسه، بل وخطبته يوم الجمعة وهو على المنبر .. وأن يلتفت إلى السائل لكي يلقنه الشهادتين، ويُعلمه ما يتعين على المرء تعلمه لحظة دخوله في الإسلام .. لأنه لا يجوز تأخير الكفر والشرك مع القدرة على إزالته .. ولأن إنقاذ امرئٍ من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد والإيمان، أهم من الانشغال فيما دون ذلك من المواعظ والدروس مع المسلمين .. ونحو ذلك من يُعالج جريحين، يصعب الجمع بينهما في وقت واحد: جريح يحتمل جرحه التأخير لساعات وربما لأيام .. بينما الجريح الآخر لا يحتمل شيئاً من هذا التأخير، ولو حصل لمات من فوره؛ فحينئذٍ يتعين تقديم معالجة من كان جرحه لا يحتمل التأخير على الآخر .. ونحو ذلك من يدخل على سلاطين الكفر والجور بزعم نصحهم وتذكيرهم وأمرهم بالمعروف .. ويكون ذلك على حساب دينه وعقيدته وتوحيده .. ودين وعقيدة وتوحيد الناس .. فيدخل عليهم بدين، ويخرج من عندهم بلا دين، أو يكون دينه دين الطاغوت .. ومثاله كذلك الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه والمقربين من رحمه؛ فيكون مثله مثل الشمعة التي تُضيء للناس وتحرق نفسها .. وقِس على ذلك من الأمثلة.
وكذلك يُقال عند تغيير المنكر؛ لا يجوز تغيير المنكر إذا كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه؛ كأن تُزال معصية بمعصية أكبر منها، مثاله: أن يفجر خاناً أو باراً مع علم الفاعل المسبق أن تفجيره وتدميره لهذا البار والخان سيؤدي إلى قتل الأنفس البريئة المعصومة .. أو يقتل العشرات من المسلمين والآمنين بذريعة قتل كافر محارب .. فهذا مثله مثل من يزيل منكر بمنكر أكبر منه .. ويزيل ضرراً بضررٍ أكبر منه، وهذا لا يجوز.
ونحوه الذي يهرب من فتنة ليقع في فتنة أشد منها .. كمن يترك الجهاد في سبيل الله هرباً من فتنة النساء .. أو فتنة الدنيا .. أو يترك الجمعة والجماعات حتى لا تقع عينه على شيء من منكرات الأسواق .. فهذا أيضاً مثله مثل الذي يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وأعلا، كما قال تعالى:{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}التوبة:49. وقال تعالى:{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}البقرة:191. أي فتنة الشرك واستعلاء كلمته .. وبسط نفوذه على البلاد والعباد .. أشد من فتنة القتل الناتج عن قتال المشركين المحاربين، ودفعهم عن بلاد وحرمات المسلمين.
كما لا يجوز أن تُزال الكبائر بكفر، أو أن يؤدي إزالتها إلى كفر، أو يُزال كفر مجرد بكفر مغلظ، أو يُؤدي إلى كفر مغلظ، كما في قوله تعالى:{وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}الأنعام:108. علماً أن سب ولعن الطواغيت والأنداد التي تُعبد من دون الله تعالى جائز .. إلا أنه إذا كان سيتم بصورة تؤدي عند الطرف الآخر إلى أن يسب الله تعالى {عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ فحينئذٍ يتعين التوقف عن سب آلهتهم حتى لا يسبوا الله تعالى {عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
ونحو ذلك؛ أن يُزال منكر بمنكر مماثل؛ كمن يُزيل حجراً عن طريق الناس بحجرٍ أخرى مثلها فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه من العبَث، وفيه مضيعة للأوقات والطاقات من دون مقابل ولا طائل يُذكر .. والإسلام قد نهى عن ذلك؛ حيث أمرنا باغتنام الأوقات والطاقات بالخير وبما ينفع الناس.
قال ابن القيم في كتابه الأعلام 2/16: فإنكار المنكر أربع درجات، الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه؛ فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد[1]، والرابعة محرمة، فإذا رأيتَ أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله؛ كرمي النشاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك.
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه، يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقومٍ منهم يشربون الخمر، فأنكرَ عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرَّم الله الخمرَ لأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم ا- هـ.
فإن عُلم ذلك، بقي أن نُشير إلى أن تقدير ومعرفة المنكر الأصغر من المنكر الأكبر، وتمييز أحدهما عن الآخر .. مرده إلى حكم وتقديرات النص الشرعي .. وليس للهوى .. أو لشيء من حظوظ النفس وما تميل إليه وتتمناه؛ لأن الإنسان بعيداً عن النص الشرعي وتوجيهاته وإرشاداته قد يميل ويجنح إلى اختيار ما يضره ولا ينفعه، ثم هو مع ذلك يحسب نفسه أنه ممن يحسنون صنعاً، كما قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}البقرة:216.
وقال تعالى:{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}الكهف:104.
 

[1] قد تقدم أن إزالة المنكر بمثله من كل الوجوه فهو من العبث الذي نُهينا عنه .. إلا إذا رجح التفاوت من وجه خفي بين المنكر المزال، والمنكر المترتب عن إزالة المنكر .. وكان في إزالته نوع مصلحة راجحة كإظهار شوكة المسلمين وتجريئهم على الصدع بالحق ونحو ذلك .. فهذا الذي يستدعي الاجتهاد والنظر والتقدير .. أما إذا استويا من كل الوجوه .. فحينئذٍ من العبث أن يُزال المنكر بمثله، وهو قولاً واحداً لا يجوز!

   
F ¥ E