الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ المسألة الأولى:
  اعلم أنه لا يجوز أن يُجزَم لمُعيَّنٍ بأنه شهيد، حتى لو كان ظاهره أنه قُتل في سبيل الله، وذلك للمحاذير التالية:
منها: أن الحكم على شخصٍ مُعيَّنٍ بالشهادة، وأنه شهيد عند الله يعني الحكم له بالجنة، وهذا خوض في الغيب بغير علم، فالشهادة على شخصٍ معين بأنه شهيد، وأنه في الجنة فهي ليست لأحدٍ بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن النبيَّ لا يتكلم ولا يشهد على أحدٍ بأنه شهيد أو من أهل الجنة إلا بوحي، كما قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}النجم:3-4. وهذه ليست لأحدٍ بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فلو جاز لأي أحدٍ أن يقول: فلان شهيد، وهو من أهل الجنة .. لما وجد حينئذٍ فرق بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الخاصية .. ولكان حكمه كحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض أصحابه بأنهم شهداء، وأنهم من أهل الجنة .. ولما حصلت حينئذٍ ميزة لمن شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم من أهل الجنة .. وهذا قول باطل نقلاً وعقلاً لا يتجرأ عليه إلا من هان عليه دينه!
ومنها: لاحتمال أن يكون هذا المُعيَّن قد أخلَّ بشرط من شروط قبول الشهادة، لا يعلم ذلك عنه إلا الله تعالى، وبخاصة أن من شروط الشهادة ما هو متعلق بالقلب؛ كشرط الإخلاص .. وما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، لذا جاء في الحديث:" مَثَلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ، والله أعلمُ بمن يُجاهِدُ في سبيلِه، كمثل الصائم القائم ... " متفق عليه. فردَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- علم من يُجاهد في سبيل الله على صفة الصدق والإخلاص لله -عز وجل- وحدَه؛ لأن الإخلاص ـ وموطنه القلب ـ لا يعلمه إلا الله تعالى.
ونحوه قوله -صلى الله عليه وسلم-:" والذي نفْسِيِ بيَدهِ لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله، واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ في سبيلهِ، إلا جاءَ يومَ القيامَةِ، واللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المِسْكِ " متفق عليه.
وأخرج البخاري في صحيحه تحت باب بعنوان " لا يقولُ: فلانٌ شهيد "، عن سهل بن سعد الساعِدي -رضي الله عنه-، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- التقى والمشركون فاقتتلوا، فلما مالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى عسكَرِه، ومالَ الآخرون إلى عسكرِهم، وفي أصحاب رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتَّبَعَها يضربُها بسيفِه، فقالوا: ما أجزأَ مِنَّا اليومَ أحدٌ كما أجزأ فلانٌ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " أما إِنَّهُ من أَهلِ النار ". فقالوا: أيّنا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: أنا صاحِبُهُ، قال فخرجَ معه كُلَّما وقف وقَفَ معه، وإذا أسرعَ أسرَع معهُ، قال: فجُرِحَ الرجل جرحاً شديداً، فاستَعجَلَ الموتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بالأرضِ، وذُبابهُ بَينَ ثَدييهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلى سَيفِهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَخَرَج الرَّجُلُ إلى رَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أشهَدُ أَنَّكَ رَسولُ الله، قال:" وما ذاكَ ". قال الرَّجُلُ: الذي ذكرتَ آنفاً أنَّه مِن أهل النار، فأعظمَ الناسُ ذلك، فقلتُ: أَنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثُمَّ جُرح جُرحاً شديداً، فاستعجل الموت فَوَضَعَ نصل سَيفِه في الأرض، وذبابهُ بينَ ثَديَيه، ثُم تحامَل عَليه فَقَتل نفسه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: " إنَّ الرجُلَ لَيعمَلُ عَمَلَ أهل الجنة، فيما يَبدو للناس، وهو من أهل النَّار، وإن الرجل لَيَعملُ عَمَل أهل النَّار، فيما يَبدو للناس، وهو من أهل الجنة "[1] متفق عليه.
فهذا رغم جهاده وشدة بأسه في الجهاد .. ورغم ثناء الصحابة عليه بالخير، وأنه من أهل الجنة لما رأوا من ظاهره .. إلا أنه لما أخلّ بشرط من شروط الشهادة؛ فاستعجل الموت، فقتل نفسه بنفسه .. حكم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه من أهل النار.
وعن أبي هريرة قال: خَرَجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خَيبر، ففَتَحَ اللهُ عَلَينا، فَلَم نَغنَم ذَهَباً ولا وَرِقاً؛ غَنِمنا المتاع والطعام والثياب، ثُمَّ انطَلَقنا إلى الوادي، ومع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عَبدٌ له، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِن جُذَامٍ، يُدعى رِفاعة بنَ زيدٍ مِن بني الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلنا الوادي قَامَ عبدُ رَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يَحُلُّ رَحِلَهُ فَرُمِيَ بسهمٍ، فكان فيهِ حَتفُهُ، فَقُلنا: هَنيئاً له الشهادةُ يا رَسولَ الله! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" كَلاَّ، والذي نفس محمد بيدِه! إن الشَّملَةَ لتَلتَهِبُ عَلَيه نَاراً أخّذها من الغنائم يوم خَيبر لَم تُصِبها المقاسِمُ " مسلم.
فهذا رجل قد أفسد على نفسه الشهادة بشَملة غلَّها من الغنائم .. ولم يكن الصحابة يعرفون عنه ذلك، إلى أن أخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
وفي الحديثين الآنفي الذكر أعلاه أن الحكم على المعين بأنه شهيد كالحكم عليه بأنه في الجنة، ومن أهل الجنة، لذا جاء جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه في النار، وأن الشَّملَة التي غلَّها تلتهب عليه ناراً، ولم يقل لهم: لا؛ ليس شهيداً .. لأنه ليس كل من لم يكن شهيداً يلزم أن يكون في النار أو من أهل النار، لكن كل من هو في النار يلزم منه أن لا يكون شهيداً .. فالجواب أنه في النار، أو أنه يُعذَّب بالنار .. يلزم منه نفي الاثنين معاً: الشهادة، وأن يكون في الجنة أو من أهل الجنة، وهذا النفي لا يُحمَل مطلقاً على التأبيد .. من دون النظر إلى القرائن الشرعية الأخرى التي توضح المراد منه.
وكذلك فقد تقدم معنا الحديث الدال على أن من الناس من يُجاهد نفاقاً ـ ومن ينضم إلى قوافل المجاهدين ليتجسس عليهم وعلى عوراتهم لصالح العدو ـ وأن السيف لا يمحو النفاق، والنفاق مقره القلب لا يعلمه إلا الله.
ومنها: أن الحكم على معين بأنه شهيد ومن أهل الجنة فيه تزكية على الله، والله تعالى يقول:{فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}النجم:32.
فهذه الأوجه مجتمعة هي التي تمنع من أن يحكم على معين بأنه شهيد .. فإن قيل: بما نحكم على قتلانا إذاً .. وما هو التعبير الصحيح بحقهم؟
أقول: فإن كان لا بد من أن نشير إلى شخص معينٍ بالشهادة .. فنقول: نحسبه شهيداً ولا نزكيه على الله .. نرجو أن يكون شهيداً .. نسأل الله تعالى أن يجعله من الشهداء .. ومع الشهداء .. ولا نجزم، وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقلْ: أحسبُ فلاناً، والله حَسيبُه، ولا أزكي على الله أحداً؛ أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه " متفق عليه.
أما إن كان الحكم عاماً مجملاً لا على التعيين؛ لا حرج حينئذٍ من أن يطلق حكم الشهادة على مجموع قتلى المسلمين؛ فيُقال: قتلى المسلمين الذين قاتلوا في سبيل الله في فلسطين .. أو أفغانستان .. أو الشيشان .. أو العراق .. أو الصومال .. هم شهداء .. أو يُقال شهداء معركة كذا وكذا .. أو قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار .. فهذا الإطلاق العام المجمل .. لا حرج فيه لورود النص الدال عليه، ولغياب المحاذير الآنفة الذكر أعلاه الخاصة في الشخص المعين عندما يُحكمُ عليه بأنه شهيد.
قال ابن حجر في الفتح 6/106: وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحدٍ بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يُقال ذلك على طريق الإجمال ا- هـ.
ثم اعلم أن الحكم لله الواحد الأحد، كما قال تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}يوسف:40. ليس لأحدٍ سواه؛ فمن حكم الله عليه بأنه شهيد فهو الشهيد .. ولو أطبق أهل الأرض كلهم على وصفه بخلاف ذلك لما تغير من الحقيقة شيئاً .. ومن يحكم الله تعالى عليه بأنه ليس بشهيد أو أنه في النار .. فهو في النار .. ولو أطبق أهل الأرض كلهم على وصفه بأنه شهيد .. وأنه بطل .. وأضفوا عليه الأوسمة والألقاب .. لما تغير من الحقيقة شيئاً.
وبالتالي فلا يحزنْكَ وصف الطواغيت الآثمين وأبواقهم وسحرتهم .. وعملائهم .. لقتلى الطاغوت بأنهم شهداء .. وأنهم في الجنة .. وأنهم أبطال ونشامَى .. وقتلى المجاهدين الذين قُتلوا في سبيل الله بأنهم ضالون .. وفي النار .. وإرهابيون .. وتكفيريون .. وغير ذلك من الألقاب التي ابتدعوها من عند أنفسهم الأمارة بالسوء .. فحكمهم هذا مردود عليهم .. لا قيمة ولا أثر له، وهو لا يغير من الحقيقة شيئاً.
تأمل قصة حبيب النجار الذي ورد ذكره في سورة ياسين .. فبعد أن صدع بالحق في وجوه الملأ من قومه الكافرين .. ودعاهم إلى الإيمان بالله تعالى .. واتباع المرسلين .. قاموا عليه قَومَة رجل واحد .. فضربوه، ورجموه، وحرَّقوه .. ووطئوه بأقدامهم .. وتفنَّنوا في تعذيبه وقتله .. حتى قيل أن أمعاءه قد خرجت من دبره ... وهم في غيهم وحقدهم وفرحهم هذا .. وبعد أن خرجت الروح من جسدها إلى بارئها .. قال تعالى ـ مباشرة، وفي الحال ـ:{ادْخُلِ الْجَنَّةَ}؛ أي أنت شهيد .. لا عليك .. قد فزت بالشهادة ونعيمها وكراماتها .. ولا يضرنَّك ما يفعله المجرمون بجثتك .. ولا استهزائهم بك .. ولا شتمهم لك .. قال حبيب النجار ـ بعد أن دخل الجنة، وبعد ما رأى من الخيرات والمسرات والكرامات، وقومه لا يزالون يلهون بجثته، ويمثلون بها، وينفثون أحقادهم فيها ـ:{يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}؛ فيقلعوا عن غيهم وضلالهم وكفرهم ويؤمنوا بما آمنت به!
 

[1] قوله " شاذَّةً ولا فاذَّةً "، قال ابن حجر في الفتح 7/540: الشاذَّة ما انفرد عن الجماعة، وبالفاء مثله ما لم يختلط بهم، والمعنى أنه لا يلقى شيئاً إلا قتله، وقيل المراد بالشاذ والفاذ ما كبر وصغر، وقيل الشاذ الخارج والفاذ المنفرد ا- هـ.

   
F ¥ E