الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ المسألة الثانية:
  يوجد فرق بين تمني الشهادة، وأن يُحدّث المرء نفسه بالشهادة، وأن يسأل الله تعالى أن يختم حياته بشهادة في سبيله خالصة لوجهه الكريم، وبين استشراف مظان الموت والهلكة ـ من غير مصلحة راجحة ـ لنيل الشهادة .. واستعجالاً في طلب الشهادة. فالأول جائز والآخر لا يجوز .. وكثير هم الذين يخلطون بين الأمرين!
تمني الشهادة .. وأن يُقتل المرء في سبيل الله .. وارد ومشروع، ينبغي لكل مؤمن أن يحرص عليها، ويحدث نفسه بها، فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" والذي نفسي بيده، ودَدتُ أنِّي أقاتلُ في سبيلِ الله فأقتَل، ثم أحيا ثم أقتَلُ، ثم أحيا ثم أقتَلُ، ثم أحيا ثم أقتَل، ثم أحيا " فكان أبو هريرة يقولُهنَّ ثلاثاً، أشهدُ بالله. متفق عليه.
وفي رواية لمسلم:" والذي نفس محمد بيده! لوددتُ أن أغزوَ في سبيل الله فأُقتَل، ثم أغزو فأُقتَل، ثم أغزو فأُقتل ".
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" ولأنْ أُقتَلَ في سبيلِ الله، أحبُّ إليَّ من أن يكون لي أهل الوبَرِ والمَدَر "[1].
بينما استشراف مظان الموت والهلكة .. من غير مصلحة راجحة .. استعجالاً في طلب الشهادة .. فهذا قولاً واحداً لا يجوز؛ ومثاله: من يستهين بأمنياته .. وبالأسباب .. فيكشف نفسه وصدره .. لسهام وذخائر العدو ليقتلوه ـ وهو لا يزال في أول عطائه ـ فيصبح صيداً سهلاً للعدو .. وما أفرحهم بمثل هذا النوع من الصيد السهل .. أو أن يقتحم مواقع وطرق الهلكة .. من غير ضرورة .. ولا مصلحة راجحة .. وإنما حمله على فعل ذلك قلة الصبر، والاستعجال في طلب الشهادة .. أو أن يفجر نفسه بنفسه ـ كما في العمليات المسماة خطأ بالاستشهادية! ـ من غير نكاية تُذكر في العدو .. استعجالاً في طلب الشهادة .. وكأقصر طريق ـ كما يزعمون ـ إلى الجنة .. فهذه الصور ومثيلاتها كلها لا تجوز، وهي منافية للنصوص التي تُلزم بالأخذ بالأسباب والإعداد على قدر الطاقة والاستطاعة، كما قال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}الأنفال:60. وقال تعالى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}البقرة:195. وقال تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}النساء:29.
وقال تعالى:{وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}النساء:102. هذا التشديد في أخذ الحذر .. وتكرار الأمر بأخذ الحذر .. كل ذلك حتى لا يُصبح المسلم المجاهد صيداً سهلاً للعدو {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}.
ثم أن عقيدة التوكل على الله .. وعقيدة أن الله تعالى ناصر من ينصره .. لا تمنع من الأخذ بأسباب النصر والظفر .. أو أن يأخذ المؤمنون حذرهم عند مواجهة أعدائهم.
فإن أهمل المرء هذا التوجيه الرباني .. فلم يأخذ بالحذر .. استعجالاً على الله تعالى في طلب الشهادة .. فهو آثم .. وممن ألقوا بأيديهم .. وأنفسَهم بأنفسهم إلى التهلكة!
وقد تقدم معنا قوله -صلى الله عليه وسلم-:" بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنَّة " البخاري. وقد ذكرنا أن الحديث وإن كان له سبب إلا أن العبرة بعموم اللفظ .. فكل من استعجل على الله .. فتسبب لنفسه بالموت عن إهمال أو تقصير أو لسبب كان يمكن له دفعه لو شاء .. لكنه لم يفعل استعجالاً على الله تعالى .. فله نصيب من الحديث أعلاه " بادرني عبدي بنفسه ".
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ؛ إما محسناً فلعلَّه يزدادَ خيراً، وإما مسيئاً فلعلَّه أن يَسْتَعْتِب " متفق عليه. أي يتوب فيرجع.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ من ضُرٍّ أصابَه " متفق عليه.
حتى العدو قد نُهينا عن تمني لقائِه .. وقتاله .. فإن حصل اللقاء .. سألنا الله تعالى النصر والثبات، وما ذلك إلا لأن المسلم له رسالة عظيمة في هذه الحياة هي أكبر من أن تُحصَر في استشراف مظان الموت وحسب، كما في الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" أيها الناس لا تتمنوا لقاءَ العدو، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحتَ ظلالِ السيوف " متفق عليه.
فإن قيل: أين أدلة الانغماس ...؟
أقول: أدلة الانغماس حق؛ لكن كلها مقيدة بقيد وشرط أن يرتد انغماس المنغمس في العدو على الإسلام والمسلمين، والجهاد والمجاهدين بمصلحة راجحة .. وكل من قال من أهل العلم بأدلة الانغماس اشترط في انغماس المنغمس أن يرتد انغماسه بالمصلحة الراجحة على الإسلام والمسلمين .. أما القول بالانغماس لمجرد الانغماس .. ولمجرد أن يُقتل المنغمس على يد عدوه من دون مصلحة راجحة .. فهذا لا يقول به دليل صحيح .. ولا عالم معتبر .. والنقل والعقل قد دلا على خلافه.
ثم اعلم أن نفاد الصبر نوعان: نفاد الصبر على الضراء، وما ينزل بالمرء من بلاء .. فيجزع .. فيستعجل على الله تعالى بقتل نفسه .. ونفاد صبر على فراق المحبوب، وما أعده الله تعالى للشهيد من نعيم عظيم ومقيم .. وتحمل ألم الشوق والحنين والفراق .. فيحمل صاحبه على الاستعجال على الله .. فيطلب الموت من غير طرقه الشرعية .. أملاً بأن يحظى بالمحبوب .. وهذا من الجزع والاستعجال على الله تعالى .. وقلَّ من يتنبه له!
كلا الفريقين اشتركا في صفة نفاد الصبر الباعث على قتل النفس .. والاستعجال .. على اختلاف بينهما في السبب الباعث على نفاد الصبر: فالأول نفد صبره على الضراء .. والآخر نفد صبره على فراق المحبوب .. وتحمل مشاق وتبعات طول الانتظار .. لكن كلاهما قد اشتركا في صفة قتل النفس بسبب نفاد الصبر!
وكان أنس -رضي الله عنه- يقول:لولا أني سمعتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقول:" لا تتمنوا الموتَ "، لتمنيت. البخاري. وهو من كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- .. فكيف بنا في هذا الزمان .. الذي أصبح الناس لما هم فيه من بلاء وضنك في العيش يتمنون الموت ولا يجدونه، كما في الحديث:" لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه " متفق عليه.
وفي رواية لمسلم:" والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على قبر الرجل فيتمرَّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلا البلاء ".
وهذا مدعاة لمن يتصدرون الفتاوى في هذا الزمان الذي اشتد فيه البلاء ـ والناس في ضنكٍ من العيش .. والقهر والذل .. لا يُطاق .. وقلَّ الصبر، إن لم يكن قد نفد ـ أن يتقوا الله في العباد، وأن لا يجرئوهم على قتل أنفسهم بأنفسهم ـ في عمليات انتحارية محدودة الأثر، غير مأمونة النتائج والضحايا ـ تحت مسميات الاستشهاد .. وما هي من الاستشهاد في شيء، والله تعالى أعلم.
 

[1] صحيح سنن النسائي: 2900.

   
F ¥ E