|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين |
| ـ المحبوب لذاته هو الله
تعالى وحده: |
|
|
اعلم أن ما من امرئٍ ـ أيَّاً كان اتجاهه وانتماؤه ـ إلا وله محبوب
يوالي فيه ويُعادي فيه، يُحب ويكره فيه ولأجله .. يُحارب ويُسالم
فيه ولأجله .. بل ما من عمل يقوم به الإنسان إلا ويكون بدافع
المحبة؛ إما المحبة في تحصيل شيء أو المحبة في دفع شيء .. فإن لم
يكن هذا المحبوب الذي يُعقد فيه الولاء والبراء .. وتُصرف له
الأعمال هو الله -سبحانه وتعالى- .. فسيكون غير الله تعالى، هذا
الغير على اختلاف مسمياته، وماهيته، وأشكاله، وأنواعه ـ قد تقدم
ذكر بعضها أعلاه ـ فهو يشترك في صفة واحدة ألا وهي صفة كونه
مخلوقاً لغيره؛ ألا وهو الله الخالق -سبحانه وتعالى-.
فإن لم توالِ وتعادِ، وتحب وتكره في الخالق المالك المتصرف بك
وبهذا الكون وفق مشيئته وإرادته .. فأنت توالي، وتعادي، وتحب وتكره
في المخلوق الضعيف الذي لا يملك لنفسه ـ فضلاً عن أن يملك لغيره ـ
نفعاً ولا ضراً .. إلا ما شاء الله.
فأنت بين خيارين لا ثالث لهما .. ولا مفرَّ لك من أحدهما ـ مهما
زعمت الاستقلالية أو التجرد أو أنك بلا ولاء، ولا دين، ولا انتماء
ـ: إما أن توالي وتعادي وتحب وتكره في الله، ولله .. وأنت حينئذٍ
على حق .. وأنت حينئذٍ عبد الله .. وإما أن توالي وتُعادي، وتحب
وتكره في المخلوق، وللمخلوق .. وأنت حينئذٍ على باطل، وضلالٍ عظيم
.. وأنت حينئذٍ عبد الطاغوت .. وإن زعمت بلسانك ـ زوراً ـ أنك من
المسلمين!
لماذا .. وكيف؟!
قد تقدم أن المعبود بحق هو الله تعالى وحده .. لأنه هو الخالق،
المالك لهذا الكون وما فيه ومن فيه، المتفضّل على ملكه وخلقه
بالنعم التي لا تُحصى، والتي منها أن لا عيش للمخلوق ولا حياة، ولا
حركة إلا به، وبفضله -سبحانه وتعالى- .. وهو -سبحانه وتعالى- مقابل
ذلك له حق على عباده؛ أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً؛ والعبادة
تتضمن كمال الخضوع، مع كمال المحبة؛ إذ لا يُقبل خضوع من غير محبة،
وزعم المحبة من غير خضوع زندقة وهرطقة .. ومن كمال المحبة وشرطها؛
أن يكون الله -سبحانه وتعالى- محبوباً لذاته؛ لأنه الله، ولأنه هو
هو -سبحانه وتعالى- .. له الأسماء الحسنى والصفات العليا .. أفضاله
ونعمه على عباده لا تُعد ولا تُحصى .. وما سواه فهو عبد مخلوق
مربوب، محبوب له -سبحانه وتعالى-؛ أي لا يجوز أن يُحب لذاته، أو
يُعقد فيه الولاء والبراء؛ لأنه عبد مخلوق ومربوب، لا يملك لنفسه ـ
فضلاً عن أن يملك لغيره ـ نفعاً ولا ضراً .. وثانياً لأن ذلك من
التألّه الذي لا يجوز أن يُصرف إلا لله تعالى .. فالمألوه المحبوب
بحق لذاته ـ الذي يُعقد فيه الولاء والبراء ـ هو الله تعالى وحده،
وما سواه يُحب لله .. ويُعادى ويُجافى لله، وفي الله .. وفق مشيئة
ومحبة الله.
وعليه فعندما يُعلِن الإنسان ـ أي إنسان ـ أنه يوالي ويُعادي ..
يحب ويكره .. في الإنسان أو المخلوق ـ أياً كان هذا الإنسان أو
المخلوق ـ فيحب ما يُحب ويكره ما يكره .. ويُوالي من يواليه،
ويُعادي من يُعاديه .. يُحارب ويُسالم فيه وله .. وفي الحق والباطل
سواء .. فهو يُعلن حينئذٍ بكل صراحة ووضوح أنه عبد لهذا الإنسان
والمخلوق من دون الله -عز وجل- .. ويرتضي لنفسه بكل وضوح أن يكون
عبداً ذليلاً لهذا الإنسان أو المخلوق .. وإن لم يُصرّح بفيه ما
ينم عن تلك العبودية .. وإن لم يُتبِع ذلك الاعتراف بخضوع وركوع
وسجود الأعضاء والجوارح الظاهرة .. فخضوع وركوع وسجود قلبه لذلك
الإنسان أو المخلوق .. ومطاوعته له في الحق والباطل سواء .. أكبر
شاهد على دمغه بتهمة وجرم العبودية للعبد المخلوق .. كما تدمغه
بحكم ووصف " عبد الطاغوت " .. وجرم الوقوع في الظلم الأكبر لا
محالة، كما قال تعالى:{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
}لقمان:13. وعليه وعلى أمثاله يُحمَل قوله تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ
مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ
اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى
الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ
لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ }البقرة:165.
وقوله تعالى عن المجرمين ـ العبيد مع طواغيتهم وأسيادهم ـ وهم
يتجادلون ويختصمون ويتعاتبون في نار سَقَر:{ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا
يَخْتَصِمُونَ . تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ .
إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الشعراء :96-98. أي إذ
كنا نسويكم مع الله تعالى من جهة المحبة والطاعة، فنحبكم كما نحب
الله، ونطيعكم كما نطيع الله .. وربما أكثر .. فأشركناكم مع الله
تعالى في ذلك!
كذلك عندما يُعلِن أي إنسان أو مخلوق ـ أيّاً كان هذا الإنسان أو
المخلوق ـ أنه هو المحبوب لذاته .. الذي يجب أن تُعقَد الموالاة
والمعاداة فيه وله .. يُوالى ويُعادى فيه وله .. يُحَب ما يُحِب،
ويُكرَه ما يَكرَه .. يُعادَى من يُعادِي ويُجافَى من يُجافِي ..
فهو حينئذٍ ـ بكل صراحة ووقاحة ـ يتشبّع بما لم يُعط، وبما ليس فيه
.. ويُعلن عن نفسه للبشرية بأنه هو الرب، وهو الإله .. وهو المألوه
المعبود من دون الله .. وهو حينئذٍ يقول كما قال الطاغوت فرعون عن
نفسه من قبل:{ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى }النازعات:24. {
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي }القصص:38. أي ما علمت لكم من محبوب ومُطاع
لذاته غيري .. فأنا المحبوب لذاته، الذي يُعقد فيه الولاء والبراء،
والحب والكره .. وأنا المُطاع .. لا مُطاعَ لكم ترجعون وتحتكمون
إليه في جميع شؤون حياتكم .. غيري!
وأيما إنسان يعترف لهذا الإنسان أو المخلوق بهذا الحق .. أو الزعم
.. فهو من جهة يعترف بربوبيته وألوهيته .. ومن جهة أخرى يدمغ نفسه
بالشرك والعبودية له من دون الله!
فإن قيل: هو يوالي ويُعادي في الله من جانب .. وفي مجال من
المجالات .. ويوالي ويُعادي في غير الله من جانب آخر .. وفي مجال
من المجالات الأخرى .. هل يصح ذلك؟
أقول: هذا عين الشرك؛ شرك المحبة .. وهو كمن يقول: نعبد الله تعالى
في جانب، وفي مجال من مجالات الحياة .. ونعبد غير الله تعالى في
جانب آخر، ومجال آخر من مجالات الحياة .. فهذان معنَيان مختلفان
ومتضادان ومتنافيان لا يجتمعان في قلب مؤمن موحد .. فكما لا يجتمع
في قلب امرئٍ كفر وإيمان، كما في الحديث:" لا يجتمعُ الإيمانُ
والكفر في قلب امرئٍ "[1]. كذلك لا يجتمع في قلب امرئٍ ولاءان
وحبان: ولاء وحب في الله، وولاء وحب في غير الله .. حب وكره في
الله، وحب وكره في غير الله .. هذا لله، وهذا لغير الله .. فهذا من
الشرك المحبط للعمل .. والله تعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، لا
يقبل من عبد عملاً أشرك فيه أحداً مع الله، كما قال تعالى:{ وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف:110.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن
الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتُغي به وجهه "[2].
وفي الحديث القدسي:" قال الله -عز وجل-: أنا أغنى الشركاء عن
الشرك؛ فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي
أشرَك "[3].
هكذا ينبغي أن يُفهم الموضوع .. وهكذا ينبغي أن نتناوله .. بكل
وضوح وصراحة من دون مواربة ولا لجلجة ولا مداراة .. إما أن تَعقد
الولاء والبراء، والحب والكره في الله، ولله .. وفي جميع شؤون
ومجالات حياتك .. فأنت حينئذٍ عبد الله .. ومن عباد الله الموحدين
المخلصين المسلمين .. وإما أن تَعقد الولاء والبراء، والحب والكره
في غير الله .. ولو في بعض يسيرٍ من شؤون ومجالات حياتك .. فأنت
حينئذٍ عبد لهذا الغير .. عبد للطاغوت .. قد عبدته من دون الله من
جهة المحبة وعقد الموالاة والمعاداة .. وأشركته مع الله تعالى في
الألوهية والربوبية.
ومعنى الموالاة في الله، والمعاداة في الله؛ أن تحب وتوالي ما يحبه
الله تعالى، وأن تبغض وتعادي ما يبغضه الله تعالى .. وإن كان في
ذلك مخالفة لما تهوى وتميل إليه نفسك .. ومع ذلك يكون حبك وبغضك
خالصاً لوجه الله تعالى .. لا تبتغي منه مغنماً .. ولا سمعة ولا
رياءً؛ أي لكي يكون ولاؤك وعداؤك مشروعاً ومحموداً لا بد له من
شرطين: أن يكون صائباً موافقاً لما يحبه الله تعالى، وما يبغضه؛
فتحب ما يُحب، وتبغض ما يبغض، وتوالي من يوالي، وتُعادي من يُعادي.
ثانياً: أن يكون حبك وبغضك خالصاً لوجه الله تعالى تبتغي مرضاته
ومحبّته، إذ أحياناً قد تتحقق الموافقة، فتحب المؤمن وتبغض الكافر
المشرك، لكن يكون حبك للمؤمن، وبغضك للكافر المشرك من أجل مصلحة ..
أو مغنم .. أو لغرض من أغراض الدنيا .. وليس لكون الأول مؤمناً
يحبه الله، والآخر كافراً مشركاً يبغضه الله تبتغي من حب الأول
وبغض الآخر مرضاة الله تعالى .. ومن كان كذلك ـ لا شك أنه ـ يخرج
من صفة كونه يوالي ويعُادي في الله .. وإن زعم بلسانه أنه ممن
يُوالون ويُعادون في الله.
هذا المعنى هو المراد من قوله -صلى الله عليه وسلم-:" أوثق عُرى
الإيمان: الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، والحبُّ في الله،
والبغضُ في الله "[4]. وهذا لا يتحقق إلا بشرطيه: الموافقة،
والإخلاص.
ونحوه قوله -صلى الله عليه وسلم-:" مَنْ أحبَّ لله، وأبغضَ لله،
وأعطى لله، ومنَعَ لله؛ فقد استكمَلَ الإيمانَ "[5]. ولا يكون ذلك
كذلك إلا بشرطي الموافقة، والإخلاص .. وما أكثر أولئك الذين يُعطون
ويمنعون لهوى في أنفسهم .. أو لميلٍ إلى حزب أو عصبية .. ولمآرب
أخرى .. ثم بعد ذلك يزعمون زوراً أنهم ممن يُعطون لله، ويمنعون
لله!
قال تعالى:{ لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ }آل عمران:28.
قوله تعالى:{ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ }؛ قال ابن جرير
الطبري في التفسير: يعني بذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه
بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ا- هـ. ونحو قوله قال عدد من
المفسرين.
لماذا استحق هذا الوعيد الشديد ..؟!
لأنه لم يوافق محبة الله، وإنما وافق محبة أعدائه من الكافرين ..
فعقد فيهم الولاء والبراء من دون الله .. فأطاعهم ووالاهم في معصية
الله .. وأشركهم في المحبة والموالاة مع الله .. وهذا ظلم عظيم بحق
الله عليه.
ولأنه اتخذ الكافرين من دون المؤمنين أولياء .. فناصرهم وظاهرهم
وكثّر سوادهم على المسلمين .. وهذا بخلاف ما يجب عليه ويتعيّن ..
وهذا ظلم عظيم بحق المؤمنين عليه.
فهو بموالاته للكافرين يرتكب ظلمين عظيمين: ظلم له علاقة بحق الله
عليه، وظلم آخر يتعلق بحق عباد الله المؤمنين عليه .. أي أنه ـ
بموالاته للكافرين من دون المؤمنين ـ يكون من ذوي الظلم المركب
والمغلّظ الذي به استحق ذلك الوعيد العظيم والمخيف.
ونحوه قوله تعالى:{ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ }؛ فيواليهم من
دون الله ـ مع إعلان عداوتهم لله وللمؤمنين ـ على المؤمنين ..
فيُظاهرهم ويناصرهم على المؤمنين { فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
}المائدة:51. أي منهم في الموالاة، والتجمع، والكفر .. وهو بذلك
كافر مثلهم.
قال ابن حزم في المحلى 12/33: وصح أن قول الله تعالى:{ وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } إنما هو على ظاهره
بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من
المسلمين ا- هـ.
وقال تعالى:{ تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ
اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ
كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ
مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ
فَاسِقُونَ }المائدة:80-81. فلمّا أبوا إلا أن يتخذوا الكافرين
أولياء من دون المؤمنين كان ذلك دليلاً كافياً على انتفاء إيمانهم
بالله تعالى، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وما أنزل إليه من ربه
-سبحانه وتعالى- .. كما أنه دليل على بيان كذب ادعائهم الإيمان
بالله ولنبي -صلى الله عليه وسلم- .. فاتخاذ الكافرين أولياء من
دون المؤمنين يدمغهم بالكفر، كما يدمغهم بالكذب في دعواهم الإيمان
وأنهم من المؤمنين!
قال ابن تيمية رحمه الله: فبين سبحانه الإيمان بالله والنبي، وما
أنزل إليه ملتزم بعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن
عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم[6].
وقال في الفتاوى7/17: فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم
أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ودل
ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان
بالله والنبي وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم
مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ }المائدة:51. فإنه أخبر في تلك الآية أن متوليهم لا
يكون مؤمناً وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه
بعضاً ا- هـ.
وقال تعالى:{ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا
عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ
لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً }الكهف:102.
وهذا سؤال تقريعي توبيخي تعجيزي يفيد الاستنكار والتعجب؛ أي أيظن
الكفار أنهم يقدرون على أن يتخذوا عباد الله المؤمنين أولياء لهم
.. فينفردوا بولايتهم من دون الله .. فهذا لا يمكن أن يحصل .. ولو
حصل شيء منه وتحققت الولاية من الطرفين نحو بعضهما البعض .. لزم
خروج من اتخذوهم أولياء من دائرة عباد الله المؤمنين .. لأن عباد
الله المؤمنين ـ بنص كلام الله ـ لا يمكن أن يتخذوهم أولياء من دون
الله؛ لأن المؤمن موافق لله تعالى في حبه وبغضه، وموالاته
ومعاداته، فيوالي في الله ويُعادي في الله .. ومتى يخرج عن هذا
الاعتقاد أو المنهج يخرج مباشرة من دائرة الإيمان .. ومن صفة
وجماعة عباد الله المؤمنين.
والقول بإمكانية أن يجمع العبد بين الإيمان وبين اتخاذ الكافرين
أولياء .. من لوازمه القول باجتماع المضادين .. والقول بتكذيب
القرآن الكريم، ورد هذا النص الصريح الذي يفيد أن الكافر لا يمكن
أن يتخذ المؤمن ولياً .. كما أن المؤمن لا يمكن أن يتخذ الكافر
ولياً .. ولو استطاع وتمكن من ذلك فهو في حقيقته يتخذ ولياً كافراً
مثله.
يوضح هذا المعنى أكثر قوله تعالى:{ وَالَّذينَ كَفَرُواْ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ }؛ أي إلا تفعلوا
ذلك أيها المؤمنون .. فتحرصوا على أن تحصروا موالاة الكافرين بعضهم
لبعض من دونكم .. فتعتزلوهم ولا تُخالطوهم بأي نوع من أنواع
الموالاة والمظاهرة والتناصر .. فإن حصل خلاف ذلك .. وخالطتموهم في
الموالاة والمظاهرة والمناصرة والعون والتأييد .. واتخذتم منهم
أولياء { تَكُن فِتْنَةٌ }؛ أي شرك { فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ
كَبِيرٌ }الأنفال:73. فيختلط الحق مع الباطل .. وتختلط الحقوق
والواجبات .. وما يجب للمؤمن مما يجب للكافر .. فلا يُعرف حينئذٍ
ما لكل واحد منهما من حق .. وما عليه من واجب .. فيترتب عن ذلك
فساد عريض واسع الانتشار .. والمرافق!
قال ابن كثير في التفسير: لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء
بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار ... أي إن لم تجانبوا
المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس
الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض
طويل ا- هـ.
وهو كقوله تعالى:{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاء بَعْضٍ }التوبة:71. فالموالاة والتناصر والتعاضد
والتحابب محصورة ومقصورة فيما بين المؤمنين بعضهم مع بعض لا يجوز
أن تتعدى إلى غيرهم .. كذلك الطرف الآخر فموالاتهم وتناصرهم
وتعاضددهم محصورة ومقصورة فيما بينهم من دون المؤمنين .. لا يجوز
أن تتعدى إلا غيرهم كما قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }المائدة:51. وقال تعالى:{ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن
دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ
بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ
أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ
}آل عمران:18. وقال تعالى عن المنافقين:{ الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ }التوبة:67. وهم إخوان
للكافرين في التآمر على الإسلام والمسلمين.
هذا أمر الله .. وهذا حكمه .. وهذا قضاؤه .. وليس لمؤمن أن يتعدى
أمر الله .. أو أن يكون له الخيرة من أمر الله تعالى وقضائه .. أو
أن يُشاقِق الله في الموالاة والمعاداة؛ فيوالي أعداءه ويُعادي
أولياءه .. مهما بدت له المصلحة من وراء ذلك .. فهي على الحقيقة
مفسدة وليست مصلحة .. ولو وجدت فهي أوهن من بيت العنكبوت، كما قال
تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء
كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ
الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
}العنكبوت:41. وقال تعالى:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }الأحزاب:36.
ورحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذ يقول:" فالله الله يا
إخواني تمسّكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره وأسه ورأسه، شهادة أن لا
إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم
إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم،
وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال: ما عليَّ
منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى،
فقد كلفه الله بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا
إخوانهم وأولادهم، فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا
تشركون به شيئاً، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين "[7].
[1] السلسلة الصحيحة: 1050.
[2] صحيح سنن النسائي: 2943.
[3] أخرجه ابن ماجه وغيره، صحيح الترغيب: 31.
[4] أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الجامع الصغير: 2539.
[5] رواه أبو داود، صحيح الترغيب والترهيب: 3029.
[6] مجموعة التوحيد، ص259.
[7] مجموعة التوحيد، ص 111.
|
|
|
|
|
F
¥
E |
|