الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ موالاة دون موالاة:
  اعلم أن الموالاة التي تُخرِج صاحبها من الملة نوعان: عندما يُعقَد الولاء والبراء في ذات المخلوق؛ لأنه هو هو .. وفي الحق والباطل سواء .. وسواء أخطأ أم أصاب .. فيدور الموالي معه في الحب والبغض، وفي السخط والرضى حيثما دار .. فحينئذٍ يكون هذا المخلوق المُوالَى مألوهاً معبوداً من دون الله .. ومن يصرف إليه مثل هذا النوع من الموالاة يدخل في عبادته وتأليهه من دون الله .. ويخرج بذلك من ملة الإسلام كما تقدم ذكر الدليل على ذلك.
ثانياً: عندما يُظاهِر ويُناصر المشركين والكافرين على الإسلام والمسلمين .. فهذا النوع من الموالاة أيضاً يُخرِج صاحبه من الملة .. باتفاق أهل العلم .. كما تقدم ذكر الدليل على ذلك .. ولا يدخل في هذا النوع من الموالاة إنصاف الكافر المظلوم من المسلم الظالم .. كما يظن البعض؛ لأن إنصاف الحق .. والمظلوم ـ أيّاً كان دينه أو انتماؤه ـ من أنفسنا ومن ظالمه وإن كان مسلماً .. مطلب شرعي محمود قد حض عليه الشّارع، كما في قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة:8. وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ }النساء:135.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً "، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال:" تمنعه من الظلمِ؛ فذاك نصرُك إيَّاه " متفق عليه.
ما سوى هذين النوعين من الموالاة يدخل في الموالاة الصغرى، موالاة دون موالاة؛ أي عند حصولها توقع صاحبها في الإثم والمخالفة الشرعية، لكنها لا تخرجه من الملة، مثالها: أن يحصل عن هوى نوع غضب ـ في الباطل ـ للقبيلة أو البلدة أو العشيرة التي ينتمي إليها .. وكذلك الذي يظهر منه نوع تعصب ـ في الباطل ـ لحزبه أو شيخه، أو طريقته، وجماعته .. أو مذهبه .. ونحوه الذي ينصر ظالماً على ظلمه لهوى أو ضعف في نفسه .. أو الذي يحمله حب المال على البغي والظلم .. فهذا لا شك أنه يدخل في الموالاة الباطلة الخاطئة لكن لا ترقى بصاحبها إلى درجة الكفر البواح أو الموالاة الكبرى التي تُخرجه من الملة .. حيث يوجد فرق ـ مثلاً ـ بين من يُظهر نوع عصبية لوطنه أو موطنه في الباطل .. تحت عنوان الحنين والحب .. وبين من يجعل من الانتماء الوطني الجغرافي عقيدة يُعقد فيها الولاء والبراء، وتُقسّم على أساسها ـ دون غيرها ـ الحقوق والواجبات .. ويجعل من ذلك قانوناً أو دستوراً يُحتكم إليه .. فالأول موالاة صغرى لا ترقى إلى درجة الكفر الأكبر .. والحالة الثانية موالاة كبرى ترقى بصاحبها درجة الكفر الأكبر المخرج من الملة.
أخرج البخاري بسنده ـ من قصة حادثة الإفك ـ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ؟!". يقصد بذلك عبد الله بن أبي ـ رأس النفاق ـ وقوله الخبيث في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها!
ثم قال -صلى الله عليه وسلم-:" والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ". فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه، إن كان من إخواننا الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ؟ فأخذت سعد بن عبادة غيرة.
قالت عائشة رضي الله عنها: وكان قبل ذلك امرأً صالحاً، ولكن أخذته حمية؛ لأن ابن أبي كان كبير قومه!
فقال سعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله!
فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر الله فإنك منافق تجادل عن المنافقين .. وثار الحيان حتى نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يسكنهم.
فهذه الحمية التي أخذت سعد بن عبادة نحو رأس النفاق ابن أبي لكونه من قبيلته .. هي من الموالاة؛ لكنها من الموالاة الصغرى .. موالاة دون موالاة .. لا ترقى إلى درجة الكفر التي تخرج صاحبها من الملة كالموالاة الكبرى، بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحكم على سعد بن عبادة بالكفر أو الردة .. ولم يحمله على التوبة من ذلك .. فعلمنا بالضرورة أن مثل هذا النوع من الموالاة قد يقع من المسلم .. لكنه لا يرقى به إلى درجة الكفر الأكبر المخرج من الملة.
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:" كنا غزاة فكسَعَ رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين!
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" ما بال دعوى الجاهلية ؟" قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال:" دعوها فإنها نتنة ".
قال لهم -صلى الله عليه وسلم-:" دعوها فإنها نتنة " ولم يقل لهم هذا كفر وردة .. علماً أن الذي فعلوه يدخل في الموالاة الباطلة .. والعصبية للقبيلة في الباطل .. إلا أنه من الموالاة الصغرى لا الكبرى.
ونحو ذلك ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم المدينة، وسودة بنت زمعة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب الحجاب.
قالت سودة: فوالله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل هؤلاء الأسارى قد أتى بهم، فرجعت إلى بيتي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه، فإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراماً؟!
فما انتبهت إلا بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من البيت:" يا سودة على الله وعلى رسولِه ؟!" فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت[1].
فقول سودة رضي الله عنها:" أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراماً " كبوة وزلة .. وهي من الموالاة إلا أنها تدخل في الموالاة دون موالاة .. بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يزد عن قوله لها:" يا سودة على الله وعلى رسوله؟!".
قال ابن تيمية في الفتاوى 7/523: قد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً ا- هـ.
وقال 28/201: فمن كان من هذه الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة، ونحوها: مثل إتيان أهل الباطل واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم الباطل، كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك .. ا- هـ.
تأمل قوله " بحسب ذلك " أي بحسب ولائه ونوعه يكون له من الذم والعقاب، والنفاق .. أي ليس كل أنواع الموالاة سواء من حيث الحكم، ومن حيث الوعيد.


[1] أخرجه الحاكم في المستدرك 3/22، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
   
F ¥ E