الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قطوف وخواطر
119 . دلالاتُ وفِقهُ حديثٍ.
  قال رسول الله -رضي الله عنه- :" مثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهُدى والعِلم كمثَلِ الغيثِ الكثير أصابَ أرضاً، فكان منها نقيةٌ قبِلَت الماءَ فأنبتت الكلأَ والعُشبَ الكثيرَ، وكانت منها أجادِبُ أمسكتِ الماءَ فنفعَ اللهُ بها الناسَ فشرِبوا وسقَوا وزرعوا ورعَوا، وأصابت منها طائفةً أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبتُ كلأً؛ فذلك مثل من فَقِه في دين الله ونفعهُ ما بعثني اللهُ به فعلِمَ وعلَّمَ، ومثلُ من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى اللهِ الذي أرسِلتُ به " متفق عليه.
دل هذا الحديث العظيم على معانٍ وفوائد عدة:
منها: تشابه الهُدى الذي بُعث به النبي -رضي الله عنه- والغيث الكثير من حيث أن كلاً منهما فيه حياة وروح للأرض وما يدب عليها؛ فكما أن الأرض لا حياة لها ولا روح إلا بالماء .. إلا بالغيث الكثير الذي ينهمر عليها ـ بإذن ربها ـ من السماء فيُحيي الأرض بعد موتها، كما قال تعالى:{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}. وقال تعالى:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ}. وقال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}. كذلك فهي لا حياة لها ولا روح إلا بالهُدى والعلم والغيث الذي أنزله اللهُ على نبيه محمد -رضي الله عنه- ، وبتقبلها لهذا العلم والنور، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. وقال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً}. وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. وقال تعالى:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ}. فسمى القرآن المنزل روحاً ونوراً ورحمة وشفاءً للمؤمنين.

ومنها: تشابه انتفاع الأرض ومن عليها من الغيثين: غيث المطر، وغيث التنزيل؛ فكما أن الأرض ليس كلها ينتفع من الماء المنزل، حيث منها الأرض النقية الطيبة، ومنها الأجادب، ومنها القيعان .. وليست كل هذه البقع على حدٍّ سواء في الاستفادة والإفادة، وفي القبول والعطاء، وكذلك الحال مع غيث التنزيل فليس كل من على الأرض يستفيد منه ويفيد بقدر متساوٍ، حيث يوجد المؤمن الموحد الصالح، والعاصي الموحد، والمنافق، والكافر الجاحد .. وهؤلاء لا يستوون في درجة الانتفاع من التنزيل ولا في درجة العطاء ونفع الآخرين به.
فليس من سلمت حواس التلقي والفهم والفقه عنده كمن تتعطل عنده وظائف تلك الحواس، كما قال تعالى عن الكافرين المجرمين:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. وقال تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

ومنها: أن مثل الأرض النقية الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير مثل العلماء العاملين الذين قبلوا الهدى والعلم النبوي فاستفادوا وأفادوا غيرهم.
هم ورثة الأنبياء في العلم والعمل، والجهاد، والصدع بالحق .. الذين وافق اعتقادُهم قولَهم، واعتقادُهم وقولُهم فعالَهم.
وهؤلاء هم المعنيين من قوله -رضي الله عنه- :" فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على معلمي الناسِ الخير ".

ومنها: أن مثل الأرض الجدباء ـ وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، ولا تنبت كلأً، ولكنها تحفظ الماء ـ مثل العلماء الحفاظ الذين نفعوا غيرهم بما أوتوا من العلم لكن هم لم ينتفعوا منه، فقالوا وما فعلوا، وأمروا ونهوا وما أتمروا وانتهوا عما أمروا به ونهوا ..!
فكما أن الأرض الجدباء لا تستفيد من الماء وبالتالي فلا تنبت كلأً ولا عشباً .. ولكنها تجمعه وتحفظه إلى أن يأتي من يأخذه فيستفيد منه فيشرب ويسقي ويزرع ويرعى .. كذلك الحافظ للعلم لكنه لم يعمل به؛ فهو لم يستفد في نفسه مما تعلمه ولكنه أفاد غيره، وغيره استفاد مما حفظه وجمعه من العلم فأخذه منه.
وهؤلاء هم المعنيين من قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}.
ومن قوله -رضي الله عنه- :" يُجاء برجلٍ فيُطرحُ في النار، فيَطحن فيها كما يَطحن الحمارُ برحاه، فيطيفُ به أهل النار، فيقولون: أي فلان، ألستَ كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: إني كنتُ آمرُ بالمعروف ولا أفعلُه، وأنهى عن المنكر وأفعله ".
وقوله -رضي الله عنه- :" مررتُ ليلةَ أسري بي بأقوامٍ تُقرض شفاههُم بمقاريض من نارٍ، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباءُ أمتك الذين يقولون مالا يفعلون ".
وقوله -رضي الله عنه- :" مثل الذي يُعلم الناس الخيرَ وينسى نفسَهُ مثَلُ الفتيلة تُضيء على الناس وتحرقُ نفسها ".

ومنها: أن مثل القيعان من الأرض ـ وهي الأرض الملساء التي لا ينضب منها الماء، ولا تُمسكه، ولا تنبت كلأً ـ مثل المنافقين والكفرة المجرمين الذين أعرضوا عن الرسالة، وجحدوا ما أنزل الله تعالى على نبيه، فلم ينتفعوا في أنفسهم، ولم ينفعوا غيرهم، وهؤلاء هم المعنيين من قوله تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}. وقوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}.

ومنها: بيان علاقة الظاهر بالباطن، وأثر وتأثير كل منهما على الآخر؛ فكما أن الأرض النقية الطيبة التي تقبل الماء وتتشربه إلى باطنها فإنها تعطي وتُظهر على سطحها الكلأ والعشب، والثمار بأنواعها، وتكسي سطح الأرض خضاراً وجمالاً .. كذلك الإنسان الذي يقبل الهدى وما أنزل الله على نبيه، ويعتقده ويؤمن به فإنه لا محالة ستظهر آثار هذا الإيمان والاعتقاد خيراً على ظاهره وجوارحه .. فينتفع في نفسه وينفع غيره كما قال -رضي الله عنه- :" فعَلِمَ وعلَّمَ ".
يظهر ذلك واضحاً كذلك في مثل الأرض الجدباء والقيعان من الأرض؛ فكما أن الأرض الجدباء لا ينضب منها الماء ولا تتشربه إلى باطنها وبالتالي فهي لا تنبت كلأ ولا عشباً .. ولا تُظهر على سطحها شيئاً من ذلك .. كذلك الحافظ للعلم الذي لم يرتوي قلبه وباطنه مما تعلمه من العلم فإنه ـ رغم انتفاع الآخرين منه ـ لا ينتفع من علمه في نفسه، كما لا تظهر آثار هذا العلم على جوارحه وأعماله الظاهرة .. والأشد منه سوءاً من كان مثله مثل القيعان من الأرض كما تقدم.
فالعلاقة بين الظاهر والباطل وأثر وتأثير كل منهما على الآخر .. هي علاقة متلازمة ومتبادلة دلت عليها الأدلة النقلية والعقلية .. وليس كما يقول أهل التجهم والإرجاء حيث يفترضون إمكانية اجتماع باطنٍ مؤمن مع ظاهر كافر، من دون أن ينافي وجود أحدهما الآخر!!
* * * * * * * * * *
F ¥ E