الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
هذه القصة حقيقية، قد كُتِبَت في السبعينيات من القرن الماضي ..
كتبها ورواها شاب أصوله نصيرية .. من قرى محافظة طرطوس .. هداه
الله تعالى إلى الإسلام .. يحكي فيها تجربته مع الطائفة النصيرية
وشيوخها .. اسمه محمد حسين .. وقد سماها " الجيل التالي "!
في هذه القصة تتعرف على كثير من أسرار دين، وعقائد، وطقوس الطائفة
النصيرية؛ المسماة خطأً " بالعلوية "، وعلى الحياة الاجتماعية
والنفسية، والأخلاقية التي يتصف بها أبناء هذه الطائفة وبخاصة
شيوخها وقادتها .. لتدرك فيم بعد كم هذه الطائفة منغلقة على نفسها،
تعيش فيم بينها قمة الكفر والإلحاد، والفسوق، والجهل، والتخلف،
والإرهاب، والظلم، والباطنية والتقيّة .. كما تعيش ثقافة إذلال
الكبير للصغير، والقوي للضعيف .. فكلٌّ ذالٌّ ومذلول؛ ذالٌّ لمن
تحته، مذلول ممن فوقه .. لا رحمة فيم بينهم فضلاً عن أن يرحموا
الآخرين .. عساك فيم بعد تدرك قليلاً من مأساة الشعب السوري
المسلم، المحكوم ـ لأكثر من أربعة عقودٍ ـ من قبل هذه الطائفة!
لا أريد أن أكثر عليكم .. أدعكم مع قصة هذا الشاب البطل والشجاع ..
الذي هدم جدار الصمت والخوف، وصدع بالحق .. ناصحاً ـ من خلال قصته
الشيقة والمؤلمة ـ لطائفته بعامة، ولشبابها بخاصة؛ عساهم أن يحذوا
حذوه، ويتحرروا مما هم فيه من كفر وجهل وخوف؛ فيصطلحون مع الأمة
وعقيدتها، ليصطلحوا بعد ذلك مع المجتمع الإسلامي السني السوري
الكبير الذي يحتضنهم ويعيشون فيه ..!
ونحن ما حملنا على إعادة نشر هذه القصة في موقعنا إلا هذا الغرض؛
وهو هداية شباب هذه الطائفة إلى الحق بإذن الله .. ثم ليتعرف الناس
على نوع وحجم المأساة التي يعيشها المجتمع السوري، في ظل حكم هذه
الطائفة، والمستمر إلى هذه الساعة .. راجياً الله تعالى أن يجعل من
هذا العمل مفتاح خير، مغلاق شرٍّ، إنه تعالى سميع قريب مجيب، وصلى
الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد المنعم مصطفى حليمة
" أبو بصير الطرطوسي "
7/10/1432 هـ. 5/9/2011 م
www.abubaseer.bizland.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
إلى روح أستاذي "محمود" الذي أخذ بيدي بعيداً عن جحيم النصيرية،
وشرح لي حقيقة الإسلام الذي وجدت فيه سعادتي وملاذي..
وإلى أخي في الله الذي منحته في قصتي هذه اسم "عدنان" فهو الذي كان
لي عوناً وسنداً.
وإلى روح "أمي" التي كانت راضية بمسلكي ووجهتي، وغلبها القهر،
فمنعها من إعلان إسلامها؛ فقد هداها الله علي يديّ..
وإلى كل شاب نصيري يتململ من الأباطيل، ويهفو قلبه إلى الإيمان..
وإلى كل مؤمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم ويحب "علياً"
الإنسان رضي الله عنه، ليدرك مكانته ومقامه، فالسعادة كل السعادة
في إيمان صادق عميق، وعمل خالص لوجه الله الكريم، والشقاء كل
الشقاء ألا يهتدي الإنسان إلى الطريق التي توصله إلى الله..
إلى هؤلاء جميعاً أهدي قصتي وخلاصة تجربتي.
محمد حسين
*****
لم تمض غير شهور قليلة على موت "برهوم الحشاش" حتى كان يطوف ببيته
كلبٌ هزيل الجسم، كريه النظر، أغبر اللون، مبتور الذيل، أصلم [1]
الأذنين، أجرب الجلد، فيه آثار قروح لم تندمل بعدُ وما يزال بعضها
ينُّز صديداً، فيستقبله صبية القرية بالحجارة، ليلوذ بالهرب، ويغيب
خلف "الحواكير" [2] المتهدمة الجدران..
ولا يطول غيابه كثيراً، فما يغيب ذيله حتى يظهر رأسه، ولكنه لم
يسلم من عين كانت تراقبه وتصاحبه جيئة وذهاباً، إنها عين "أم
ونُّوس" زوج "برهوم الحشاش" الذي مر على وفاته شهور وأيام؛ أحست
خلالها بفراغ هائل في حياتها، وخاصة أن صبحها كان يطلع على أنغام
الشتائم "المنقاة" والسباب الذي حفظت ألفاظه وكلماته حتى أنها كانت
تعرف ما يتبع كل كلمة لأنها "نشيد الصباح" الذي اعتادت سماعه طيلة
أربعين سنة شمسية، وذلك منذ الصباح الأول لعرسها، حينما وقف برهوم
أمامها وفتل شاربيه وراح يزرع جسدها ضرباً لا لـ "صوج" [3] أو ذنب
اقترفته، ولكن هذا الذي كان يفعله فتيان القرية وشبابها عند أول
صباح يلي ليلة الزفاف، فإن لم يكن هذا تعبيراً عن الفتوة والرجولة
عقب الزفة و "الدخلة" مباشرة، فإنه يعني بلا شك قطع رأس القط بلا
مقدمات، والإيذان بحياة حافلة بالعبودية والأسر والظلم.. لكنها
كانت ليلة ذكريات على أية حال.
كانت تنظر إلى الكلب متتبعة كل عضو فيه بعد أو وجدت أن ملامح
مشتركة بينه وبين "برهوم" واضحة جلية، وخاصة أن عينيه "العمشاوين"
تشبهان إلى حد كبير عيني برهوم.. وأذنيه المصلومتين تشاكلان أذنيه
الصغيرتين.. وإن في مشيته المتثاقلة دليلاً على أنه هو برهوم ذاته
في جيله الجديد، لقد كان يستأهل هذا الثوب، فقد كان شريراً
وبخيلاً، ولا يهتم كثيراً بتعاليم المشايخ ولا يحتفل بالأعياد من
أعماق قلبه وخاصة "عيد الرابع" [4] الذي كان لا يجد له متعة إلا
إذا شارك في "الوقعة" الكبيرة في بيت "المختار" [5].
وكم من مرة تعرض فيها لـ "اللعن" والطرد لولا تدخل ابنه ونوس الذي
كان يرضي المشايخ ببعض الدراهم والدجاج.
ويقترب الكلب من البيت حائماً حول "المزبلة" كأنما يبحث عن شيء
أضاعه، غير أن عبث الصبية لم يكن ليدعه يتم مهمته، إلا أنهم المرة
هذه لم يتمكنوا من دفعه للهرب في اتجاه الحقول، فقد كانت أم ونوس
قد أعدت كل شيء حيث فتحت باب الدار على مصراعه الكبير وملأت علبة
السمن الفارغ "مصلاً" كانت قد خبأته منذ الفجر بعد أن قامت
باستخراج الجبن من الحليب الذي كانت تدره البقرات الخمس التي
خلَّفها برهوم بعض إرث للأسرة؛ لأنها كانت تتوقع عودته في ساعة من
هذا اليوم. لقد حاصره الأولاد عند زاوية قريبة من الباب وهم
يمطرونه بوابل من الحجارة والنعال البالية، ولم ينجه من ذلك إلا
خروج أم ونوس من الدار وصراخها في وجه الصبية وسبابها لهم، فارتدوا
عنه هاربين، فكانت فرصته للإفلات منهم؛ فلم يجد غير الباب المفتوح
ملاذاً فدخله مسرعاً دائراً في كل زاوية من الدار.. فلم يحظ بمكان
أنسب له من المصطبة العالية حيث كان برهوم يقضي أواخر أيامه
"متشمِّساً" ماصاً "المتة" [6] الأرجنتينية ماركة "النحلة" التي
كانت لا يفضل عليها شراباً آخر، إلا رشفات من "عرق أبي سعدة" أو
"عرق التين" وخاصة عندما يزوره بعض المشايخ المولعين بهذا الصنف،
الذي كان يحضره ابنه ونوس من لبنان عندما يعود من بيروت بأجرة
ابنته التي تعمل خادمة عند أسرة أرمنية ثرية. إضافة لما يحمله من
عند شقيقته "فيوليت" (ظرُّوف سابقاً) التي باعها أبوها لشاب موراني
ثري بمبلغ من المال اشترى به "المسطَّحة" الأرض التي أقام عليها
"بستان الرمان".. كانت شقراء رائعة، تُعرف في القرية باسم
"الفرنساوية" لأن أمها ـ كما قيل ـ توحمت على ضابط فرنسي أشقر
فجاءت مثله.
ويستريح الكلب قليلاً على المصطبة ويخف لهاثه فتقرِّب إليه "المصل"
وما إن يشتم رائحته حتى يتحرك من مكانه ليعبّ منه حتى كاد يأتي على
آخر نقطة فيه..
كانت أم ونوس تنظر إليه وتعود بذاكرتها إلى برهوم الذي لم يكن
يعجبه من الدرّ إلا ما كان ينفصل من ماءٍ عن الجبن أو القريش ولو
وجد هذا المصل سبيله إلى السوق لما شربه وأهدر قيمته.. قالت أم
ونوس في نفسها:
إنه هو.. نعم هو.. فقد كان مولعاً بالمصل وما يزال..
ويحاول الكلب بعد حين الخروج من المنزل؛ ولكنه لا يفلح فالباب مغلق
وعينا أم ونوس تراقبانه، يجرب التسلق على الجدار غير أنه لا ينجح
أيضاً فقد كانت قواه خائرة، وحالته الصحية لا تساعده على تسلق
الجدران المنتصبة، فأقام ليلته نائماً، على غير عادة الكلاب، وأم
ونوس تنهض من فراشها مرة بعد مرة للاطمئنان إلى أنه ينام
مستريحاً..
ويبزغ الفجر ليبدأ الكلب عواءً أجشَّ، على غير عادة الكلاب أيضاً،
التي تكون في مثل هذا الوقت، قد استسلمت للنوم طول سهر وعواء، ولكن
ما الذي يمنعه من الاستيقاظ مبكراً وقد أخذ حصته من الراحة؟!
وتنهض أم ونوس من فراشها مسرعة إلى إفراغ بقي لديها من مصل في وعاء
شرب الكلب ناثرةً بين يديه بعض كُسيراتٍ من خبز الأمس لم تستطع
إثارة شهيته، أو إسالة لعابه، فلم تجد بدّاً من تقريب طاسه إليه
لعل في رائحته المصل ما يحرك فيه الشهوة للطعام. وما إن أضحى وعاؤه
في متناول فمه، حتى أخذ يشرب مستكثراً مسرعاً؛ كأنما يريد إطفاء
غلة مزمنه أو عطش قديم.. كانت عينا أم ونوس في حركة ثلاثية
الاتجاه: مرة إلى الطاس، وثانية إلى لسانه، وثالثة إلى بطنه لتطمئن
إلى ازدياد حجمه..
وتظهر علائم الارتواء عليه فيسترخي قليلاً ليتمدد بعد ذلك على
قفاه، وتراها تهمس من غير أن تشعر بما تقول:" بو ونوس شبعت؟"
وتتركه على مصطبته مستقبلاً الشمس بغبطة وسرور، فلطالما كان يقف في
خشوع عند شروقها وغروبها، حتى أيام البرد والزمهرير، متحيّناً لها،
نظرة من خلال الغيوم المتلبدة، مرسلاً التحية إلى الإله ملك النحل
علي بن أبي طالب.. ولكنها تتنهد وتقول:
يا حسرة، لم أكن أعرف أبداً ما يدور بينه وبين ربه، فقد قضت
الديانة النصيرية، ألا تطلع النساء على شيء من أمور الدين لأنهن
كما يقولون: ليس للمرأة دين إلا "....." ولن أنسى أبداً الشيخ
"محمود أبو هبول" الذي رشقني بكلمات اللعن والطرد عندما دخلت إلى
"الجمعة" [7] حاملة الديك الأحمر المشوي لأضعه بين يديه، فأسرع إلى
طردي ومن معه.. لم أذكر من كلماته التي كان يحدث بها الناس عند
دخولي إلا قوله:" سيدي عبد الله بن سبأ".
غير أني لا أدري من صاحب هذا الإسم وماذا يعني إني صرت أهتم بسماعه
من ولدي ونَّوس عندما كان يطلب إلى ابنه أن يسمعه ما كان لقنه إياه
"الشيخ مصطفى الضرير" بعد أن بلغ الثمانية عشرة من عمره يوم أمره
بالانقطاع عن رفاقه من المسلمين الذين كانوا يزورونه في القرية
أيام الربيع والصيف أولئك الرفاق الذين لم يستطع الإفلات من
تأثيرهم فيه، فقد كانوا شباباً مهذبين يحملون له من الهدايا كل
زيارة ما يدل على كرمهم وإخلاصهم، ويكرمونه في المدينة أثناء السنة
الدراسية، بما يقدمونه له من الخدمات ومع ذلك فقد كانوا شديدي
الخطر عليه، هكذا كان يقول جده وأبوه الشيخ مصطفى لأنهم يرونه أن
حُسن معاملة زملائه له واستمرار العلاقة هذه قد يدفعه إلى اعتناق
الإسلام، لاسيما أنه كان يرافقهم إلى المساجد ويصلي معهم بل ويصلي
مثلهم وهذا الذي يمقته المشايخ ويحاربونه..
وتسقط دموع أم ونوس على وجنتيها وهي تتذكر "مخلوفاً" عندما كان
يجلس تحت شجرة البلوط يبكي فراق زملائه ويتألم لمعاملة أهله
القاسية تلك المعاملة التي كانوا يرغمونه من خلالها على تقبيل نعل
الشيخ مصطفى ووضعها على رأسه وجبهته، عند ذلك كان يحسّ بفقد
إنسانيته، بالصدمة الإذلالية، ويشعر بأنه من عالم آخر، بل من عالم
أقل شأناً حتى من عالم الحيوانات الدنيا الدنية..
وتواصل أم ونوس أفكارها مخاطبة نفسها:
لقد فكر مخلوف بالفرار واعتناق الإسلام، لكنهم هددوه بالقتل وأن
"الذباب الأزرق" لن يستطيع معرفة مصيره أو مكانه، وقالوا له: إنك
بعد ذلك سوف تتقمص كلباً أسود، أو حجراً في موقد دائم الاشتعال..
غير أن هذه الكلمات كانت أبعد من أن تؤثر فيه فقد كان يصارح أمه
قائلاً:
إن الذي يزيدني ألماً وتعساً أن أقبّل نعل شيخ قذر، تعشعش فيه
الجهالة، ولا يملك من السطوة إلا مافي نفوس العبيد من الخنوع
والذل، أو الرهبة من سلطان أعمى لا يعرف إلا الطرد والقتل والتصفية
الجسدية لكل متمرد عليه أو متبرم به!!
وتمضي أم ونوس في خواطرها، كأنما تخاطب جمعاً أمامها وضع آذانه على
فمها:
ولا تزال القرى تذكر عائلة "أبو شلَّة" التي كانت على وشك اعتناق
الإسلام بأفرادها جميعاً، والانتقال إلى مدينة طرطوس حيث تجد
متنفساً هناك بالقرب من أصدقائها من عائلة المؤذن وهيكل فلم يمهلهم
المشايخ كثيراً فعمدوا إلى تدبير مقتل العائلة ولم ينج إلا طفل
رضيع من المجزرة حينما ربطوا "سواميك" [8] البيت خلسة ـ بواسطة
ضيفٍ اصطنعوه للعائلة ـ وكلهم نيام، إلى مؤخرة جرار "الجمعية
الفلاحية" الذي سار إلى الأمام مقتلعاً الأعمدة من أماكنها ليستقر
السقف على صدور ورؤوس عائلة كانت تستعد للرحيل، فكانوا أسرع في
ترحيلها، وأسرع في إخفاء الجريمة وتمويهها.. حين أسرعوا إلى إبلاغ
مخفر ناحية "الشيخ بدر" أن شدة الأمطار ليلاً قد أطبقت السقف
الترابي على ساكنيه في بيت "أبي شلة" واختاروا لهم مقبرة خاصة
بعيدة عن مقبرة القرية لأنهم يرفضون أن يشاركهم غير النصيريين في
مقابرهم.
هذه القصص وأمثالها كانت أقدر على زرع الرعب في قلوب الشباب الذين
كانوا يتساءلون عن جدوى أن يكون المرء نصيرياً.. وماذا تعني
النصيرية التي يجتهدون في إخفائها؟ لقد كانوا يألمون كثيراً عندما
يسمعون الناس يقولون لهم:" الدين المخبأ صرماية عتيقة" [9] وإذا
حاولوا إظهار هذا الدين، كيلا يكون كذلك، فما الذي يقدمونه للناس
غير الجهل والكفر والخرافات والضلال؟ وهل يصدق الناس أن الخالق هو
علي بن أبي طالب؟ وأن عبد الله بن سبأ من النجباء؟ وأن... وأن...
وأن؟
ذهبت أم ونوس في خيالاتها مذاهب شتى حتى أنها طافت بذكرياتها حول
بيت "الحاج عبد الكريم الضناوي" في طرابلس الشام حيث كانت تعمل
خادمة عند هذه العائلة الطرابلسية المسلمة، إذ عاشت أجمل أيام
حياتها وأعذبها، حينما كانت هذه العائلة الفاضلة المثقفة تعاملها
بما لا يختلف عن معاملة أفرادها بعضهم بعضاً..
ولكن ماذا تفعل حين كان طيش الصبا دافعاً للارتماء في أحضان
"برهوم" الذي كان يمتاز على شباب القرية بأنه يحمل أثقل "جرن" فيها
غير أنه سرعان ما فقد بريقه وفتوته، وانهمك في تجميع المال من كل
ناحية وبكل أسلوب، حتى أصبح كما قيل عنه "جلده محشوٌ بالفلوس".
ولقد لقيت منه شدة وعسفاً لا أنساه أبداً ولكن.. تتنهد أم ونوس
وتتمتم: لولا ذكريات تلحُّ عليَّ كانت معه لشمتُّ.
والتفتت نحو الكلب وقالت:
لشمتُّ بك لأنك تقمصت كلباً.. ولكنني أرجو أن تتخلص من ذنوبك في
هذا الجيل لتعود في الجيل التالي طفلاً جميلاً عند أسرة طيبة كأسرة
الحاج عبد الكريم الضناوي، وبصورة آدمي..
وتذكرت أم ونوس أنها على موعد مع "أم ابراهيم نظلة" للذهاب إلى
دكان "سلمان الراعي" لشراء "حنجور" فازلين لأن "القشب" أكل يديها.
وتهم بالخروج من باب الدار إلا أنها تتذكر الكلب فتنظر إليه قائلة:
"بو ونوس" لن أغيب عنك كثيراً.
* * *
يلاحظ ونوس وإخوته عظم اهتمام أمهم بالكلب "فيلعب الفأر بعبهم"
[10] ويتساءلون فيما بينهم:
ترى هل هذا الكلب هو أبونا لتصدق رؤيا عمتنا فيه؟ فقد رأته في
منامها كلباً يشكو مطاردة الناس له، ولا يجد ملاذاً يحميه غير
خرائب قصر قديم..
وفي يوم من الأيام كان ونوس يحمل معه أحشاء دجاجة ذبحوها لأنها
مصابة "بالوجعة" ليقدمها للكلب. وقف إلى جانب أمه يراقبان معاً
أكله. وما أشد دهشة ونوس حينما نظر إلى أمه فإذا عيناها تسقطان
دمعاً سخياً فيسألها:
مالذي يبكيك يا أمي؟
"بيك" يا عيني إنه لا يستطيع الأكل بارتياح فهذه القروح والجروح
تمنعه من أخذ راحته والتمتع بحريته.. (وتتوقف عن الكلام وكأنها
تخشى ألا يصدِّق ونوس أن الكلب أبوه) ويدهشها ما رأت أشد الدهشة
ويثير إعجابها ويبعث طمأنينتها؛ فقد هوى ونوس إلى الكلب يقبله
ويقول:
(بيّي) كم كنا في اشتياق إليك، وانشغال فكرنا عليك، وخشينا ألا
تكون قد شفيت من هذه القروح التي كانت سبب موتك.. أبشر فأنا عند
عينيك وغداً صباحاً سوف أحضر لك الطبيب.
إنها كلمات أثلجت صدر أم ونوس، وأدخلت في نفسها الطمأنينة وبعث في
حناياها الارتياح فقالت:
الرب يرضى عنك يا ونوس.. أنت مرضيّ فقد كان أبوك يحبك كثيراً، وها
قده جاء دورك الآن لتقوم بالواجب نحوه.
ويرى ونوس أن من الواجب عليه القيام بإخبار أشقائه وشقيقاته
وأقربائه، وهل هناك أجمل من البشرى يحملها آخر النهار لإخوته فيكون
له شرف نقل هذا الخبر المفرح عن "مقدم" العائلة.
ولم يكد الخبر يصل إليهم حتى هبّوا مسرعين إلى منزل أمهم، كباراً
وصغاراً، حتى أن كلابهم تبعتهم تستوضح الخبر وكادت تقع في معركة مع
"المقدم" لولا تدخل الجميع وقيامهم "بفض الاشتباك" المحتمل وطرد
الكلاب كافة ما عدا حبيب القلوب، ومنعم الدروب، الذي طال انتظاره
وتتابعت أطواره..
وتحلَّقوا حوله كلٌّ يريد نظرة، ولم يفزع منظره إلا الأطفال الذين
كانوا يهربون صارخين مستنجدين عندما كان يدفع بهم الآباء والأمهات
لنيل نظرة واستراق "تكشيرة" من جدهم العائد بعد غياب طويل..
وتدور الأحاديث مسترجعة أيام برهوم السابقة وكان أكثر الحاضرين
فرحا وألماً "زلخة" شقيقة برهوم ورفيقة طفولته امتزجت دموع الفرح
والألم معاً، الفرح بعودته والاطمئنان إلى أنه يمتلك الآن فرصة
التخلص من كثير من ذنوبه ليحظى بجيل آخر أفضل حالاً وأحسن مآلاً؛
والألم لهذه القروح التي لا تدعه يستقر على جنب واحد وكأنه يتلوى
من الألم الذي لا يستطيع التعبير عنه أحياناً إلا بصوت "انتعاص"
شديد يثير في من حوله كوامن الألم والجزع عليه، ومع ذلك كله فقد
كانت سهرة ممتعة اجتمع فيها الأبناء والأحفاد "بالمقدم" الذي طالت
غيبته.. وكانت أحاديث لم تخرج عن دائرة برهوم وأسقامه حتى استقر
الرأي على استحضار طبيب يداوي جراحاته.
* * *
ولم تكد أول خيوط النور تؤذن بالفجر حتى كان ونوس يطرق باب "حامد
الشوفير" الذي كان يستقبل زبائن هذا الوقت بالسباب والشتائم "من
الزنّار ونازل"..
خرج حامد يفرك عينيه على أنغام شتائمه المميزة الشهيرة إلا أنه
توقف فجأة عن ذلك لما رأى أن زبونه الثقيل ليس إلا ونوس فأقبل نحوه
مستفسراً عن حقيقة والده إذ لم يتمكن من زيارته وتهنئته بذلك
لعودته متأخراً من "الطليعي" قرب برج صافيتا إذ كان برفقة بيت أبي
محمود معلاّ الذين قصدوا "المزار" استشفاءً لابنهم محمود المصاب
بشلل الأطفال والذي كما قيل أعيا داؤه الطب والأطباء.. ولم يكد
يعلم "حامد الشوفير" بمراد صديقه ونوس حتى سارع إلى ارتداء ثيابه
لمرافقة صاحبه إلى الدكتور في مدينة طرطوس..
وكان حديثاً شيقاً لم يحسا معه بصوت المحرك الذي يحكي حال سيارة
الشيفروليه المولودة قبل احتلال الصهاينة لفلسطين.. لم يكن معهما
في "الاطمبيل" من أحد فقد رغب ونوس في السرعة وتعهد بدفع أجرة عشرة
ركاب على الأقل مع "ورقة تتن حموي" وقد وصلا مبكرين إلى طرطوس
وذهبا إلى بيت "بديعة" بنت الشيخ عمران في حي الرمل حتى يحين وقت
افتتاح مصلحة الصحة الحيوانية في مديرية زراعة طرطوس. فمن عادة
حامد أن يزور بديعة بين الحين والآخر حاملاً بعض الهدايا ولا يضيق
به بيتها فهي ابنة شيخه وقريته وزوجها في الكويت يغيب عنها سنة
ويقيم معها شهراً.
ولما اقترب موعد وصول الأطباء إلى الدائرة قصداها واتفقا مع الطبيب
البيطري على الذهاب معاً إلى القرية بعد انتهاء الدوام. وكان من
الممكن الانتقال إلى القرية مبكرين لولا الخلاف الحادّ بين رئيس
المصلحة والأطباء خلال الأيام الأخيرة، والصراع على حصة الأسد في
حصيلة الرشاوي التي يتلقاها هؤلاء الموظفون الذين تحولت يد الواحد
منهم إلى منشار يعمل على "الطالع والنازل".. حتى أصبح كل صاحب
معاملة يضع في حسابه دفع الرشوة ولا يجد لذة للحديث عن متاعب
معاملته إلا إذا قترنت بأرقام الرشوة التي أصبحت ملح كل معاملة،
وطابع أي قرار..
وتنطلق السيارة بالطبيب من طرطوس ناهشة الطريق الترابية المتصاعدة
بين الجبال لتقف أمام البيت في القرية فيسرع كل من في البيت
لاستقبال "الدكتور" القادم لمداواة "المقدم".
ولم يكد الدكتور يصل إلى ساحة الدار حتى صاحت أم ونوس بأعلى صوتها:
وَيلي دكتور يبطري؟! دكتور كلاب وجحاش يداوي برهوم؟! لا لا هذا
الأمر غير ممكن أبداً!!
إنها تعرف الطبيب هذا شخصياً، فلطالما أحضره برهوم لمداواة بقراته
وحيواناته. ولم تنته من هذه الكلمات الرافضة حتى وجدت الجميع إلى
جانبها مؤيدين لها، رافضين أن يضع الدكتور يده فيه فهو بشر، إنه
أبو ونوس في جيله الجديد ولو ظهر في قميص كلب، فلا بد له من طبيب
بشري وليس بيطرياً. ويقفل الرجل عائداً من حيث أتى ويرافقه ونوس
إلى طرطوس ليحضر طبيباً بشرياً فقد أدرك مدى خطئه في اختيار طبيب
مختص بمداواة الحيوانات.
وفي طرطوس ذهب ونوس إلى الطبيب البشري الدكتور حسن وشرح له الأمر.
وبعد مداولة في الأجر الذي الذي طلبه كانت السيارة تعود إلى القرية
من جديد لتقديم المعونة لبرهوم للتخلص من قروحه وأسقامه.
لم يستغرب الطبيب أن يُدعى لمداواة كلب فلطالما دعي لمثل هذه
الحالة التي يتكرر حدوثها بين الآونة والأخرى في هذه القرية أو تلك
حتى حي الرمل في طرطوس لم ينس حقه في استدعاء الأطباء البشريين
لمداواة الكلاب أو البقر أو الحمير عندما تظهر علامات "التقمص"
عليها كما يتخيلون.
وما أكثر ما كانت تصطنع حالات التقمص وينسج حولها من الأساطير
ليرسخ ذلك في أذهان النصيريين وخاصة الصغار منهم، فكم من صبي درّبه
أبواه على ادعاء أنه فلان الذي مات في قرية كذا وأن أولاده هم فلان
وفلان وفلان وفلان وأن له أرض كذا وكذا وحدث معه أمور يحدِّث بها
وكأنها واقعة، وهي في حقيقتها لا تخرج عن كونها من محفوظات الناس
عن ذلك الرجل الذي مات. ويستقبل النصيريون هذه الافتعالات بكل
تصديق وتأكيد وتعزيز واقعيتها بذكر حوادث كثيرة مشابهة لها، حدثت
لهم ولأقربائهم ومعارفهم في قرى كثيرة من قرى النصيريين.
ويتفحص الطبيب الكلب الأجرب ويصف له الدواء المناسب ويطمئن الأهل
والأحباب أن مريضهم بخير ولا داعي للقلق أو الخوف فسوف لن تمضي إلا
أيام حتى يسترد صحته وعافيته ونباحه الشجي المطرب.
تغادر السيارة القرية في اتجاه طرطوس عائدة بالطبيب إلى عيادته
ومرضاه، وبرفقته مخلوف بن ونوس الذي كلفه أبوه مرافقة الطبيب وشراء
الدواء من إحدى صيدليات حي الرمل في طرطوس إذ لا يجوز للنصيري شراء
أية حاجة من حاجاته من غير النصيري إلا إذا لم يكن هناك نصيري في
قريته أو مدينته أو حيه لديه مطلوبه وعند ذلك يبحث عن أقرب الناس
مودة وخدمة للنصيريين للحصول على مشترياته منه فالنصيريون لا
يشترون من غير هذه الأصناف إلا مضطرين مكرهين أو ماكرين.
ويذهب مخلوف مكرهاً من غير أن يستطيع امتعاضه مما يحدث، إذ أن
الامتعاض يعني بلا شك نقد العقيدة النصيرية التي تجعل من عقيدة
التقمص مركز الدائرة وفصل الخطاب فالجزاء والعقاب في هذه الدنيا،
وليست هناك آخرة ولا جنة ولا نار إذ أن ذلك كله في الدنيا، فصاحب
الذنب إذا مات (قنص) أي تقمص ما يؤذيه ويطهره، فإذا تطهر تقمص صورة
إنسان في الجيل الذي يليه، فإذا أساء وأذنب في جيله الجديد ـ
والذنب دائماً لا يكون إلا تجاه المشايخ ورجال الدين أو رفض بعض
تعاليمهم وعدم تلبية مطالبهم المادية التي يسمونها ظلماً وعدواناً
(الزكاة) ـ عند ذلك يعود من جديد إلى صورة كلبية أو بقرية أو
حمارية أو يصبح حجراً في موقد تلفحه النار في الصباح والمساء أو
حشرة من الحشرات وهكذا يستمر تناسخ الأرواح وتتطاول السلسلة بغير
انقطاع فلا آخرة، وما الحاجة إليها إذا كان الجزاء في هذه الدنيا
ولا جزاء غيره.
ويهمس مخلوق لنفسه: أي حياة هذه إذا كان جدي كلباً؟
ألا ما أقذرها من حياة وما أخسه من باطل أحمق لا يطاق!!
ألا يعني ذلك أن أبي كلب وأنني جرو كلب؟ وابن كلب؟ لا لا لست كلباً
ولا جدي ولا أبي ولكنهما كافران جاهلان لعب بهما وبأمثالهما دهاقنة
الكفر ومهرة الأفاقين الذين يزعمون أنهم يعلمون كل شيء، وعندهم
الجنة ولديهم النار.
غير أن مخلوفاً لا يجد بداً من تنفيذ رغبة والده وإرادته لأنه يعلم
الجزاء الرهيب إن هو أبدى أي تبرم بهذه الإرادة وتلك الرغبة ولو
كانت باطلة.
يعود إلى القرية حاملاً الدواء الذي يسرع ونوس إلى إعطائه الكلب
باعتباره أكبر أبنائه ومقدمهم الآن، ويتابع الجميع مراحل المداواة
والكل يتبارى في تقديم خدماته لينال نظرة أو لمسة أو "خمشة" إلا
مخلوف الذي كان يتألم لما يرى ولكن عليه أن يكون أخرس أعمى أصم
كيلا ينغص عليهم أحلامهم وآمالهم في يوم قادم يتخلص فيه الكلب الجد
من أسقامه.
* * *
تضيق الدنيا في وجه مخلوف، وتنتابه الهموم الثقال، وهو يرى هذا
الجمع من الجهال الذي ركبت الشياطين رؤوسهم، فأحالتهم إلى دمى
يحركها الكفر، ويلهو بها الباطل، فتكاد تمزقه الآلام، ولا يجد ما
يخفف عنه مما فيه إلا أن يذهب إلى صديقه عدنان الذي يدرك هذه
الأمور ولكم عانى مثلها يوم ادعى صديق والده القديم "أبو غزول"
عندما ولد له طفل أنه والد عدنان في جيله الجديد فكاد هذا الطفل
البريء بما نسب إليه يفوز بتركة أبيه لكثرة الهدايا التي كان إخوته
وأمه يحملونها إليه باستمرار حتى أنهم خصصوا له غلال قطعة أرض، ولم
ينجهم من هذه الأكذوبة إلا موت الطفل فسقطت الأسطورة ولم يسقط
الكفر: أم على قلوب أقفالها .
كان الوقت ليلاً حين طرق مخلوف باب صديقه الذي سارع لرد الكلاب
التي هاجت وماجت لطرقات الباب. ورحب عدنان بصديقه وصعدا معاً إلى
سطح المنزل الترابي وجلسا في ضوء القمر، والهواء الطلق، فقد كان من
الصعب جداً الصبر على الجلوس داخل البيت الذي كانت تمارس فيه
البراغيث لعبتها المفضلة بالتسلل إلى كل جزء من أجزاء الجسم ولا
تتركه إلا إذا استبدل المرء ثيابه وسلخ من الحك والفرك إهابه،
ناهيك عن روائح البيوت النتنة المؤذية، ولم يخف عن عدنان ما بصديقه
من الألم فقد خبره في فرحه وترحه، وألمه وراحته فسأله:
- مابك يا مخلوف؟ أراك على غير عادتك.. هل هناك من شيء غير ما سمعت
عن إحضاركم الدكتور حسن لمداواة الكلب؟
- وما الذي أسمعك بذلك؟
- وأي شيء يمكن أن يغيب عن أحد من أهل القرية وخاصة مثل هذه القضية
التي تشغل الجميع؟!!
- حقاً هذا الذي حصل والأدهى من ذلك أنني أجبرت على المشاركة بشراء
الدواء.
- ولِم ذهبت؟ ألم يكن بوسعك أن تعتذر عن الذهاب إلى طرطوس؟
- وهل أستطيع الاعتذار أمام إصرار والدي!! ألم تسمع عن ضربه أخاه
الأصغر حتى الموت لأنه رفض تقبيل رجلي الشيخ مصطفى الضرير؟
- بلى لقد سمعت هذه القصة وحفظتها لكثرة ما كان يرددها عليَّ والدي
الذي كان يحذرني دائماً من مخالفة المشايخ أو انتقادهم أو عصيانهم
ويتخذ من هذه القصة متكأ لتوجيهاته وكأنه كان يريد أن يقول لي:
وأنا أقتلك أيضاً كما قتل ونوس أخاه إذا عرَّضت نفسك للطرد
بمخالفتك مشايخنا وأسيادنا.
- ولكنني أعجب منك يا مخلوف.. ألم تطمئن إلى السر الذي لقنوك إياه
حين بلغت الثامنة عشرة من عمرك فأنا ما يزال أمامي قرابة ستة أشهر
للحصول على السر حين أبلغ السن التي تؤهلني لمعرفة الدين النصيري.
- وأي سر هذا يا عدنان.. إنه الذل والهوان والكفر والضلال.. أتدري
يا عدنان ما حدث لي؟ وقاك الله مثل هذا وحال بينك وبينه. لقد كنت
أرفض المثول أمام الشيخ مصطفى النتن النجس ولم أكن أراه إلا كذاباً
أشراً يستغل كفر الكافرين وجهل الجاهلين ليثري من وراء ذلك غير أن
والدي أصر على مثولي أمام الشيخ لأتلقى على يديه العقيدة النصيرية
وهددني بالقتل، وأنا أعلم أنه لا يتورع عن قتلي وقد قتل من قبل
شقيقه لرفضه تقبيل رجلي الشيخ مصطفى.
وحدد والدي موعداً مع الشيخ لإجراء مراسم تعليمي مبادئ العقيدة
النصيرية. صحيح أنني كنت رافضاً هذه الديانة، ولكنني في الوقت ذاته
كنت متشوقاً للإحاطة بهذه الخزعبلات والأكاذيب التي تطوَّق بها
الأعناق وتداس الكرامات.
وفي اليوم المحدد، اجتمع من المشايخ وأهل القرية والقرى المجاورة
جمهور كثير، واسدعوني إليهم، وناولوني قدح خمر ثم وقف أحد المشايخ،
وهو برتبة النقيب في الديانة النصيرية، وقف بجانبي وقال ليك قل:"
بسر إحسانك يا عمي وسيدي وتاج رأسي، أنا لك تلميذ، وحذاؤك على
رأسي" ولم أجد بداً من شرب الخمر لأول مرة في حياتي فلما شربت
الكأس التفت إليَّ الإمام قائلاً: هل ترضى أن ترفع أحذية هؤلاء
الحاضرين على رأسك إكراماً لسيدك؟ فقلت كلاّ بل حذاء سيدي فقط،
فضحك الحاضرون لعدم قبولي القانون، ثم أمروا الخادم فأتى بحذاء
السيد المذكور، فكشفوا رأسي ووضعوه عليه، وجعلوا على الحذاء خرقة
بيضاء، ثم أخذ النقيب يصلي على رأسي، وأوصوني بالكتمان وانصرفوا.
وهذه الجمعة يسمونها المشورة.
ثم بعد أربعين يوماً، اجتمع جمهور آخر، واستدعوني إليهم ووقف الشيخ
الكبير بجانبي وبيده كأس خمر فسقاني الكأس وأمرني بأن أقول: سر
(ع.م.س) أما العين فهي عليّ ويسمونه المعنى ـ وأما الميم فهي محمد
ويسمونه الاسم والحجاب ـ وأما السين فهي سلمان الفارسي ويسمونه
الباب. ثم بعد ذلك قال لي الإمام: إنه فرض عليك أن تتلو هذه
اللفظة، وهي سر (ع.م.س) كل يوم خمسمائة مرة، ثم أوصوني بالكتمان
وانصرفوا.
وهذه الجمعة الثانية ويسمونها جمعية المليك.
ثم بعد سبعة أشهر (والمدة للعامة تسعة أشهر) اجتمع جمهور آخر
أيضاً، واستدعوني حسب عادتهم، وأوقفوني بعيداً عنهم، ونهض وكيل من
بين الجماعة، والنقيب عن يمينه، والنجيب ـ وهي رتبه دينين ـ عن
شماله وبيد كل منهم كأس خمر، واستقبلوا نحو الإمام مترنمين
الترنيمة الثالثة التي هي للحسين بن حمدان الخصيبي، وبعد ذلك
توجهوا نحو المرشد الثاني مترنمين هذه الترنيمة:
سألت عن المكارم أين حلوا ************ وبعض الناس دلوني عليكا
بحق محمد مع آل بيته ***************** ارحم من أتى يقبل يديكا
قصدتك لا تخيب فيك ظني *************** نحن اليوم محسوبين عليكا
ثم وضعوا أياديهم على رأس المرشد هذا وجلسوا، وأما هو فنهض قائماً،
وأخذ القدح من الوكيل وخر ساجداً وقرأ سورة السجود ورفع رأسه، وقرأ
سورة العين، ثم شرب الكأس، وقرأ سورة السلام.
ثم قام متوجهاً نحو الإمام قائلاً: نعم نعم نعم يا سيدي الإمام،
فقال له الإمام: ينعم عليك وعلى من حواليك، لقد عملت مالم تعمله
هذه الجماعة، لأنك أخذت القدح بيدك، وشربت وسجدت وسلَّمت، ولله
السجود، فما هي حاجتك؟ وماذا تريد؟ فقال:" أريد أن أتمسى بوجه
مولاي ثم أنصرف" ونظر نحو السماء ورجع إليهم وقال: نعم نعم نعم يا
سيدي فأجابه الإمام كالأولى: ما حاجتك؟ وماذا تريد؟ قال: لي حاجة
أريد قضاءها. فقال:" اذهب اقضها" ثم انصرف عنهم ودنا مني لكي أقبل
يديه ورجليه، فقبلتهما، ورجع إليهم أيضاً وقال: نعم نعم نعم يا
سيدي الإمام: فقال له الإمام ما مرادك؟ وماذا تريد؟ فأجابه: إنه
تراءى لي شخص بالطريق فقال: ألم تسمع ما قال سيدنا المنتجب الدين
العاني: الليل يجزع منه كل صنديد. فأجاب: لي قلب قوي ولا خوف علي.
ثم نظر إليّ أيضاً، والتفت إليهم وقال: هذا الشخص اسمه مخلوف وهو
قد أتى ليتأدب أمامكم، فقال: من دله علينا؟ فأجاب: المعنى القديم
والاسم العظيم، والباب الكريم، وهي لفظة ع م س. فقال الإمام: إئت
به لنراه. فأخذ المرشد بيدي وذهب بي إلى الإمام، فلما دنوت منه،
مدّ لي رجليه فقبلتهما ويديه أيضاً، وقال لي: ما حاجتك؟ وماذا تريد
أيها الغلام؟ ثم نهض النقيب ووقف بجانبي وعلمني أن أقول:
"بسر الذي أنتم فيه يا معشر المؤمنين" ثم نظر إليَّ بعبوسة وقال:
ماالذي حملك أن تطلب منا السر المكلل باللؤلؤ والدر، ولم يحمله إلا
كل ملاك مقرب أو نبي مرسل؟! اعلم يا ولدي أن الملائكة كثيرون ولا
يحمل هذا السر إلا المقربون، والأنبياء كثيرون، وليس منهم من يحمل
هذا السر إلا الممتحنون، أتقبل قطع الرأس واليدين والرجلين ولا
تبيح بهذا السر العظيم؟ فقلت له: نعم. فقال لي:
أريد منك مائة كفيل، فقال الحاضرون: القانون يا سيدنا الإمام.
فقال: إكراماً لكم ليكن اثنا عشر كفيلاً، ثم قام المرشد الثاني،
وقبَّل أيدي الاثني عشر كفيلاً، وأنا أيضاً قبلت أيديهم، ثم نهض
الكفلاء وقالوا: نعم نعم نعم يا سيدي الإمام، فقال الإمام: ما
حاجتكم أيها الشرفاء؟ قالوا: أتينا لنكفل مخلوفاً، فقال: إذا باح
بهذا السر أتأتوني به نقطعه تقطيعاً ونشرب دمه؟ فقالوا: نعم. فأجاب
وقال: لست أكتفي بكفالتكم فقط، بل أريد اثنين معتبرين يكفلانكم.
فجرى واحد من الكفلاء، وأنا وراءه، وقبَّل أيدي الكفيلين
المطلوبيين وقبَّلتهما أنا أيضا.
ثم نهضا قائمين وأيديهما موضوعة على صدريهما، فالتفت إليهم الإمام
وقال: الله ممسيكما بالخير أيها الكفيلان المعتبران الطاهران أهل
الرش والكرش. فماذا تريدان؟ فأجابا: إننا قد أتينا لنكفل الإثني
عشر كفيلاً وهذا الشخص أيضاً. وقال: فإذا هرب قبل أن يكمل حفظ
الصلوات، أو باح بهذا السر، هل تأتياني به لتعدم حياته؟
فقالا: نعم، قال الإمام: إن الكفلاء يفنون وكفلاء الكفلاء يفنون،
وأنا أريد منه شيئاً لا يفنى. فقالا له افعل ما شئت، فالتفت إليّ
وقال:
ادن مني يا مخلوف، فدنوت منه، وحينئذ استحلفني يجميع الأجرام
السماوية بأني لا أبوح بهذا السر، ثم ناولني كتاب المجموع في يدي
اليمنى، وعلمني النقيب الواقف بجانبي أن أقول: تفضل حلّفني يا سيدي
الإمام على هذا السر العظيم وأنت برئ من خطيئتي فأخذ كتاب المجموع
مني وهو مكتوب بالخط اليدوي وقال:
يا ولدي أحلفك ليس لأجل مال ولا جوار، بل لأجل سر الله فقط، كما
حلفنا مشايخنا وساداتنا، وهكذا تكرر العمل والقول ثلاث مرات. ثم
وضعت يدي على المجموع ثلاث مرات حالفاً به له أن لا أبوح بهذا السر
مادمت حياً، وأما العامة فيستحلفونهم أكثر من ذلك. ثم قال الإمام:
اعلم يا ولدي أن الأرض لا تقبلك فيها مدفوناً إن أبحث بهذا السر،
ولا تعود تدخل القمصان البشرية، بل حين وفاتك تدخل قمصان المسوخية
وليس لك منها نجاة أبداً.
ثم أجلسوني بينهم وكشفوا رأسي ووضعوا عليه غطاء، ثم إن الكفلاء
وضعوا أيديهم على رأسي، وأخذوا يصلون، فقرأوا أولاً سورة الفتح
والسجود والعين، ثم شربوا خمراً، وقرأوا سورة السلام، ورفعوا
أيديهم عن رأسي، وأخذني عم الدخول وسلمني إلى مرشدي الأول، ثم أخذ
بيده كأس خمر وسقاني وعلمني أن أقول:" بسم الله وبالله وسر السيد
أبي عبد الله، العارف بمعرفة الله سر تذكار والصالح سره أسعده الله
".
ثم انصرفت الجماعة وأخذني الشيخ صالح الجبلي شيخ الخياطين إلى بيته
وابتدأ يعلمني أولاً التبري وهو الشتائم، وحينئذ أطلعني على صلاة
النصيرية وفيها عبادة علي بن أبي طالب وهي ست عشرة سورة .. وغداً
عندما يحين قطافك يا صديقي سوف يفعلون بك مافعلوه بي ليكون أول
عهدك بالنصيرية الذل والخضوع والهوان وإني لأرجو الله أن ينجيك من
ذلك اليوم.
ويتنهد عدنان قائلاً: أين المفر فوالله لو أتيحت لي فرصة للهجرة
لهاجرت ولكن كما تعلم يا صديقي فإنهم لا يدعون أحداً يفلت من
أيديهم وخاصة إن كان منفرداً. فكم من شاب قتلوه لأنهم أحسوا
اعتناقه الإسلام وأداءه الصلاة سراً، ولا أرى مخرجاً من ذلك إلا أن
يتداعى الكثير من أبناء النصيريين مجتمعين، للإعلان مرة واحدة عن
إسلامهم والهجرة إلى مدن المسلمين والعيش بينهم للتخلص من الذل
والاستبداد والاستخفاف بالعقول فيد الله مع الجماعة.. لقد أعجبتني
حياة أصدقائك المسلمين وأدبهم وأخلاقهم وصدقهم ونظافتهم وتفانيهم
في سبيل عقيدتهم.. وكيف لا يكونون كذلك وهم يتمسكون بالحق وأما نحن
فما الذي نملكه للاعتزاز أو الفخر إن ظللنا نصيريين؟ حقاً إنها
لمنتهى القذارة أن يستمر المرء نصيرياً، بعد أن تتكشف له حقائق
الكفر والبهتان والباطل، والذل والخنوع، والحياة السافلة التي
يحياها النصيريون، وعلى رأسهم مشايخ الطائفة، الذين لا يتورعون عن
استغلال أشد الناس فقراً، وأضعفهم ناصراً، وأكثرهم جهلاً.
ويقف مخلوف طالباً من صديقه السماح له بالعودة إلى البيت فقد طال
غيابه هذه المرة كثيراً.
وقال: معذرة يا صديقي فقد أثقلت عليك هذه الليلة ولكنني كنت شديد
الألم حقاً لهذه المهمة القذرة التي كلفت بها، وليس لي من حيلة
أستطيع بها التخلص من أوزارها، ولكن سيأتي الفرج بإذن الله.. ولولا
أن الوقت أصبح متأخراً لحدثتك الكثير عن التعاليم حتى لا تفاجأ
يوماً ما بها وتعاني ما عانيت يوم أن ألقوا بي في أقذر مستنقع..
ولكن سوف نلتقي كثيراً ولن أخفي عنك كلمة واحدة والآن استودعك
الله.
ودع مخلوف صاحبه وعاد إلى البيت فوجد أمه ما تزال ساهرة منتظرة
قدومه فاستقبلته قائلة:
- أين كنت حتى الآن يا مخلوف؟
- عند عدنان.
- لقد أقلقتني كثيراً.. كان ينبغي عليك أن تستريح بعد سفرك الشاق
إلى طرطوس!!
- وهل دعاني للسهر الطويل هذا اليوم إلا ذهابي إلى طرطوس لأحمل
أدوية إلى كلب قذر؟
- عيب يا مخلوف إنهم يقولون إنه جدك.
- جدي أنا كلب؟ ياللعار وهل تصدقين أقوالهم؟
هؤلاء جهلة هؤلاء كفار. لا يا أمي الكلاب مخلوقات أخرى غير
الإنسان، وروح الإنسان غير روح الكلاب الإنسان أسمى من ذلك بكثير
لقد كرم الله بني آدم روحاً وجسداً ولا يمكن لجسد كلب أن يحوي
روحاً بشرية. إني لم أجد أقواماً أسخف من هؤلاء إنهم يكذبون وهم
أشد الناس تصديقاً لكذب أنفسهم ولكن لحسن الحظ ليس هناك من يصدقهم
من العقلاء والمثقفين.
- الله يرضى عنك يا ولدي دع هذه الأمور، ولا تهتم بها وأرح نفسك
كيلا تتعرض للانتقام فأنت تعرف ما فعله والدك بعمك من قبل. وعليك
أن تحتمل وتصبر ولا بد أن يكلفوك ببعض الأعمال يوم الحفلة الكبيرة
التي سيقيمونها ابتهاجاً بعودة المقدم. وعليك الآن يا مخلوف أن
تستريح وتنام.
ذهب مخلوف لينام، ولكن الألم كان ما يزال يلفه على الرغم من أنه
تخفف من كثير منه ساعة كان يتحدث إلى صديقه عدنان، وتمدد في فراشه
محاولاً النوم ولكن النوم كان أشد تمنعاً، واليقظة أصلب عوداً،
والأفكار تتلاحق في سلسلة بعضها يفضي إلى بعض.
* * *
الجميع يتبارون في تقديم الخدمات إلى "المقدم" ولكن أكثرهم إخلاصاً
في ذلك أم ونوس التي كانت تجلس الساعات الطويلة أمام الكلب تناجيه
وتذكره بأيامها الماضية حيناً وحيناً تلومه على ما كان منه في
إيذاء المشايخ الذين دعوا عليه بثوب المسوخية الكلابية، فقالت
مخاطبة الكلب:
كان باستطاعتك أن تتفادى هذا القميص لو أنك أحسنت علاقتك بالمشايخ،
ألم تذكر يوم جاءك الشيخ مصطفى طالباً الزكاة فامتنعت عن أدائها
وسخرت منه ومن لحيته ولفته فدعا عليك بأن (يقنِّصك) الله كلباً.
ولكن لا تيأس فلعلك تصبح في الجيل التالي إنساناً ونجتمع من جديد
غير أنه عليك أن تعلم منذ الآن أنني في ذلك الجيل لن أصبر عليك كما
صبرت في هذا الجيل.. لقد أتعبتني يا برهوم كثيراً وأهرمتني سريعاً
إذ لم تمض سنوات ثلاث على زواجنا حتى دب الشيب في رأسي. ألا تذكر
يوم زارتني أمي فضربتني أشد الضرب أمامها لأني سلقت لها بيضتين..
لقد كنت بخيلاً جداً يا برهوم ولولا بخلك لما وصلت إلى ما وصلت
إليه.. لو أنك أرضيت المشايخ ببعض الدراهم لدعوا لك بالخير والرب
يسمع كلامهم، ودعواتهم مستجابة عند علي الأعلى، وتتنهد أم ونوس
مستأنفة الكلام:
آه يا برهوم حقاً لقد أتعبتني كثيراً ولو لم تُعذب إلا لحرماني من
هريسة (باب التبانية) [11] لكفاك أن تستاهل هذه الحياة الكلابية.
كنت تسافر إلى البلد وتأكل هناك ما يحلو لك ولم تتذكرني مرة واحدة
ولو بقطعة صغيرة من تلك الهريسة اللذيذة التي كنت أشتري منها
دائماً يوم كنت أخدم في بيت الحاج عبد الكريم الضناوي، بل كيف أنسى
ابنتي "سعدى" التي بعتها إلى التاجر مصطفى الياسين بألف (ورقة
سورية) [12] الذي باعها بدوره إلى أمير عربي ولا أعرف أين هي الآن؟
وما تزال حسرة في قلبي طوال حياتي! واشتد بها الغيظ فقالت: برهوم
كيف طاوعك قلبك وحرقت قلبي وبعت (ضناك وضناي) وفجعتني بطفلتي
الصغيرة الضعيفة التي لم تتم سنواتها الثلاث ماذا أقول يا ملعون يا
ابن الملعون.. ياليتني ما عرفتك.. لو خطفني واحد سني لكان ذلك
خيراً لي لأن السني يحترم المرأة ولا فرق عند بين الولد والبنت ولا
يبيع أولاده بملك الدنيا آه يا ظالم فجعتني بمحبوبتي.. وراحت تهذي
بكلمات: (بعت سعدى سعدى الصغيرة.. سعدى الشقرا بأول عمرا.. يا كافر
يا ظالم يا ملعون يا نصيري..)
تحسنت حالة المقدم، وبرئ من جروحه، فقد كان تحت العناية (المركزة)
التي جعلته ينفض سريعاً ليأخذ دوره بين كلاب القرية؛ ينبح على
الشحادين ويطاردهم، ولا يدع أحداً يقترب من البيت إلا من اعتاد
رؤيته أيام مرضه، أما أطفال القرية فقد انتابهم الرعب لشراسته
وملاحقته إياهم إذا ما اقتربوا من البيت، فقد توهموا فعلاً أن
الكلب هو برهوم ذاته الذي كان يؤذيهم إن هم لعبوا أمام بيته وها هو
ذا يعود إليهم ثانية في جيله المسوخي الجديد أكثر شراسة، وأقدر
إيذاء، فاجتنبوا داره، وتخلوا عن ملعبهم إلى ملعب آخر ليس فيه
للكلب سلطان ولا نفوذ ولكم كان يلهب ظهورهم في جيله السابق
"بشبُّوقته" [13] التي كانت لها نغمة خاصة عندما كانت تستقر على
أقفيتهم وكيف لا يكون (برهوماً) والكبار يؤكدون ذلك، والمشايخ
يباركونه والقرية كلها استقبلت الأمر كما تستقبل أي ولادة أخرى
فيها بل إن ما أحاط بالكلب من الاهتمام ليفوق كثيراً ما يحيط عادة
بمولد طفل أو عودة أحد المهاجرين من أمريكا الجنوبية.
لقد آن لعائلته أن تقيم الاحتفال بعودته وشفائه فوجهت الدعوة إلى
أهل القرية والقرى المجاورة.. ولما كان يوم الاحتفال الذي أقيم في
ساحة القرية، توافد المدعون زرافات ووحداناً حاملين معهم الهدايا
ولا عجب في ذلك فالقضية لا تعدو الدين والوفاء به، فالمحمول إليه
اليوم يكون غداً حاملاً لغيره بمناسبة زواج، أو موت، أو (تقمص)
وليست العملية كرماً أوتفضلاً، إنما ذلك للمساعدة على إقامة مثل
هذه الاحتفالات التي ترتبط غالباً بالعقيدة الدينية النصيرية.
انعقدت الدبكة على إيقاع الطبل وصوت المزمار، وكانت الحلقة مكونة
من الفتيات والفتيان يمسك بعضهم أيدي بعض ويتبارى الراقصون على
استحواذ إعجاب الحاضرين. ويخرج فتيان وفتيات من حلقة الدبكة ويحل
مكانهم آخرون وهكذا تستمر الدبكة والرقص، وما أعظمها من مناسبة
تجمع بين العشاق النصيريين حين يغمرهم الليل بسواده فيخلو بعضهم
ببعض حينما ينسحبون من بين هذا الجمع متسللين إلى بستان أو حقل
يلاصق القرية وهناك يعرف كل واحد وواحدة كيف يصل إلى مبتغاه من
صاحبه.
وإن من أكرم الهدايا في هذه المناسبات الخمر الذي جلب منه الكثير،
وامتلأت به الموائد والطاولات، فالجميع مولع به بل إن كثيراً من
العائلات النصيرية تصنعه من عنب كرومها، وبعضها يشتري منه مؤونة
العام ويهتم به اهتمامه بالبرغل [14] والسوركي (الشنكليش) [15]
والزيت بل أشد اهتماماً، ومن النادر أن يخلو بيت نصيري من خمر.
وبما أن هذا الاحتفال كان لعودة "المقدم" هذه العودة التي ترتبط
ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة، فقد كان من الضروري أن يبارك الطعام
بماء غسل الشيخ أحمد ضحية الذي سارع أصحاب الحظ يوم موته إلى ملء
زجاجات من الماء الذي غسل به جسده، فلقد حمل بعض المدعوين زجاجات
صغيرة من ذلك الماء المقدس أضيفت إلى الطعام ليكون أكثر بركة
ونفعاً، وشافياً من الأمراض والعلل.
وكان معظم الطعام مطبوخاً بزيت الزيتون الذي يفضل النصيريون
استعماله في مثل هذه المناسبات لارتباطه الوثيق بالعقيدة النصيرية.
ولعل هذا الاعتقاد ناشئ من الجوانب اليهودية المؤثرة في العقيدة
النصيرية بتقديس شجرة الزيتون.
اختلطت روائح الطعام بروائح الخمور التي لعبت بالرؤوس فكان بعض
الحاضرين يرقص فوق الطاولات، وبعضهم يشتم الحاضرين ويسبهم وما أكثر
كلمات الكفر التي كانت تصدر عنهم، وكان أكثر الناس شراهة في شرب
الخمر الشيخ إبراهيم العباس من برج صافيتا الذي أفرط حتى ثمل وسكر،
وراح يهذي ويرقص ويسب ويشتم حتى (عمل فوقه وتحته) فغمر الحفل
برائحته الكريهة النفاذة التي زادته نتناً على نتن، وعندئذ حمل إلى
بيت المختار..
والشيخ محمد محرز من الشبطلية باللاذقية الذي سكر فقلد أصوات
الكلاب والحمير.. وتابع الساهرون حفلهم، وتبارى المغنون والقوّالون
فغنوا بكل معنى ماجن ولحن خليع وقد كان مما تغنى به بعضهم موال من
الميجانا يقول:
نزلت على البستان تتحوش ورقْ
نطرِت الدربين حِبا ما مَرَق
راحت على الدكان تاتشرب عرقْ
كسرت الفنجان تهمتني أنا
يا ميجانا ويا ميجانا ويا ميجانا
* ووقف شاب وشابة يغنيان:
يا أم المنديل الصيني ************ وجرحتي قلبي داويني
* فأجابته الشابة:
أنا ما جرحت قلبك ************** خليك ماشي بدربك
أحسن ما ألعن بيّك
واستمرت هذه المحاورة الغنائية طويلاً.
ووقف شاب آخر يغني بأسلوب تمثيلي:
الله يسترها المرة ************ ماحي راح يطلع برة
بين الحما والكني *********** علق المعط عاالجرة
الحما بتقول للكني *********** الله جعلك تجني
شوها العقل التِّرتَنِّي ********* رحت كسرتيلي الجرة
والجرة قد تلاتي ************ فلتت من بين دياتي
دخيلك يا حماتي ************ تسمحيلي هالمرة
والله يسترها المرة
وكانت مناسية لطيفة أن يصادف هذا الحفل زواج سليمان الداهود.
فاغتنم أهله هذه الفرصة؛ ليجروا له حلاقة العرس أمام عيون المشايخ
ومباركتهم..
تقدم موكب العرس من الساحة، وأقبل العريس نحو المشايخ يقبل أيديهم
وأرجلهم فيحظى منهم بكلمات الرضى إذ مسحوا على رأسه متمتين
بالصلوات المباركات..
جلس العريس في منتصف الساحة على كرسي مصنوع من خشب البلوط، وراح
الحلاق يؤدي مهمته في جو غامر من الأغاريد والأغاني والرقصات.
كانت أم العريس على رأس الراقصات والراقصين على الرغم من أنها تخطت
الخمسين من عمرها، وهي تحمل ملابس العرس في طبق من قش وضعته على
رأسها. وهي تغني والفتيات يشاركنها الرقص والغناء والجميع ردد هذه
الأغنية:
جبنالو القميص ************ ونهار الخميس
والبس يا عريس *********** لاتفرج عليك
جبنالو الشروال ************ بألف وميت ريال
والبس يا رجال ************ لاتفرج عليك
جبنالو الكفية ************** بألف وأربع مية
والبس يا عيني ************ لاتفرج عليك
وراح الشباب والفتيات في حمى الغناء والرقص قائلين:
يا حلاق احليق لو ************ ولا تجور عليه
جلدة راس رقيقة ************ وبسم الله عليه
ولم يكد الحلاق ينتهي من عمله حتى كانت الفتيات والشباب يرشون ماء
الكولونيا على العريس ومن حوله وهم يقولون:
يا خياتو غنولو ************ وقناني المسك رشولو
وكان طبق القش الذي يحتوي لباس العريس ما يزال على الرؤوس والأكف،
تتبادله الفتيات تيمناً بأن يكون ذلك سبباً في حصولهن على عريس.
وحان الوقت لإلباس العريس ثيابه الجديدة على مرأى من هذا الحشد،
فامتدت إليه أيدي أصدقائه ورفاقه تخلع ثيابه قطعة قطعة، إلى أن
أصبح شبه عارٍ وألبسوه الثياب الجديدة.
ووضع الحلاق كوفية على الأرض، وراح أصدقاؤه يلقون قطع النقود فوقها
فتجمع مبلغ كبير أخذه الحلاق.
وكان أول عمل قام به العريس، بعد ذلك، أن أسرع في اتجاه المشايخ
مقبلاً أيديهم وأرجلهم، وهم في غمرة ساهون فقد كانت الخمرة قد أخذت
منهم مأخذها فأضحوا كالأطفال تلهو في الطين والأوحال.
ولم يفت الكلب هذا الحفل فقد كان يطل بين الحين والآخر على هذا
الجمع، فيلقى كل حفاوة وتكريم، وكيف يفوته ذلك والحفل مقام على
شرفه فرحاً بعودته وشفائه، بل لم يفته نصيبه من الطعام إذ قدمت له
الفراريج المشوية ولحم ذكور الغنم والبقر لأن النصيريين يحرمون أكل
لحم إناث الحيوانات ولحم الجمل والأرنب.
ولعل أتعس من شهد هذا الحفل مخلوف الذي كانت تبدو عليه علائم
الإعياء والتعب وهو يقوم بتأدية ما عليه تجاه الضيوف ولكنه اختار
أن يقوم يتقديم الماء إذ لم تنفعه توسلاته أمام أبيه في أن يعفيه
من المشاركة بما لا يؤمن به. ولكن إلحاح أبيه وتهديده إياه جعلاه
يرى أن لا مفر من القيام بعمل ما أمام الضيوف.
تخطى الليل منتصفه، وشارف الفجر على البزوغ وما يزال بعض الراقصين
مصراً على الاستمرار حتى طلوع الشمس، ولكن الجمع أخذ يتناقص فكثير
من الشاربين غلبته الخمرة، واشتد سكره؛ فراح في غيبوية عالي
الشخير، مقلوب الهيئة، كأنما آثار الشيطان ارتسمت على محياه. وأخذ
أهل كل قرية من القرى المشاركة يستعدون للرحيل حاملين معهم المصباح
البترولي (اللوكس) الخاص بهم.
ولم يمض وقت طويل حتى خلت ساحة القرية من الزوار، وحل مكانهم
الكلاب التي جاءت لتأكل ما تناثر من الطعام هنا وهناك وكان
المقدّم، طبعاً، بين الكلاب التي كان عليها إنهاء هذا الحفل بما
يليق به من الهر والنباح والمهارشة.
* * *
لم يشارك عدنان في هذا الحفل لأن نفسه تأبى أن ترى مثل هذه الأعمال
التي لا تليق بذوي العقول النيرة الرشيدة، ولكم شاهد مثل هذه
الأمور فلم تزده إلا اشمئزازاً وتقززاً، فصمم على ألاّ يقرب أي
احتفالات من هذا النوع، ولكنه مع ذلك كان يشارك واحداً من الحاضرين
شعوره ألا وهو صديقه مخلوف، الذي يقدر أنه لن يشارك إلا مرغماً
مجبراً، فهو أعرف الناس به وأقربهم فكراً إليه.
ومع ذلك فلم ينج من بعض آثار هذا المهرجان اللعين حين كانت تترامى
إلى سمعه الصرخات الهستيرية، وأصوات الأعيرة النارية، وهرج السكارى
ومرجهم. لقد كان في شوق إلى رؤية مخلوق ولكنه قدّر أنه تعب من سهر
البارحة، ولا بد أن يرتاح قليلاً فلم يزره إلا بعد عصر اليوم
التالي فوجده مكتئباً حزيناً، كأنما أعياه مرض، أو هدَّته هموم.
لم يلبثا في بيت مخلوف قليلاً، ليخرجا إلى الحقول بعيداً عن الناس،
وجلسا فوق رابية خضراء تشرف على القرية والوديان المحيطة بها، حيث
اعتادا الجلوس في المكان هذا الذي أنس بالأحاديث التي كانت تدور
بينهما، إذ لم يحظ من قبل بأمثالهما، فلطالما كانت جنباته مسرحاً
للفجور والعصيان، واقتراف الذنوب والموبقات.
تحدث الصديقان في أمور يدور معظمها حول ترَّهات العقيدة النصيرية
وما عليه أهلها من الباطل والبعد عن الحق، وما هو السبيل الأمثل
لسلوك الصراط المستقيم والدين القويم.
قال مخلوف: يا عدنان أيكون المخلوق خالقاً؟
عدنان: هذا غير ممكن هذا مناقض للعقل.
مخلوف: إن أول سورة من سور الصلوات النصيرية تجعل عليَاً بن أبي
طالب رضي الله عنه، البشر المولود من أبوين والذي كان يأكل الطعام،
ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء والذي مات كما يموت كل إنسان، نعم
إن أول سورة تجعله إلهاً ولا إله إلا هو ولا معبود سواه.
فعندما أخذني الشيخ صالح الجبلي شيخ الخياطين إلى بيته أخرج من
مخبأ له في بيته كتاباً مخطوطاً اسمه "الكافي" وأملى عليَّ منه ما
يسمونه "التِلب" وفيه يدرك المرء أن دين النصيرية قام على الكفر
والإلحاد ومعصية الله والرسول وهدم شوامخ الإسلام، والنيل من
الأطهار الذين آمنوا بالرسول وناصروه.
كتبت ما أملى عليّ وطلب مني أن أحفظه لأبتدئ بعده بتلقي سور
الصلاة. وسوف أقرأ عليك التِلب الذي يدرك أي عاقل منصف بأنه كذب
واختراع لا يصدر إلا عن كافر أو زنديق.
اسمع يا صاحبي هذا الهراء الذي سيقشعر له جلدك، ويقف لهوله شعرك.
أملى عليَّ الفاجر ما يلي:
"الفصل الرابع من كتاب الكافي، رواه السيد أبو شعيب محمد بن نصير
عن سلمان الفارسي علينا سلامه قال: إنه يوم دخلت على حضرة مولاي
عليّ أمير النحل عليَّ منه السلام وإليه التسليم، وجدته قائماً
يصلي، فسمعت منه كلاماً لم أسمعه من قبل ذلك الوقت أبداً وهو يقول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من التسعة أرهاط
المفسدين الذين فسدوا في الأرض وما أصلحوا في الدين، أعوذ بالله من
أصنام قريش وطغاهم وبغاهم وإفكهما وزوجي بنتيهما الذين أكلوا
نعماءك وجحدوا أولياءك، وبغضوا رسولك، وأفسدوا بلادك، وأضروا
عبادك؛ اللهم تلعنهم بكل منكرٍ فعلوه، وشملٍ بددوه، وإمامٍ خالفوه،
وربٍ نكروه، وفريضة تركوها، وآيات حرفوها، ورسومٍ قطعوها، وجوامعَ
بنوها، ومنابر علوها، ومآذن رفعوها، وقصورٍ شيدوها، ودبابٍ
دحرجوها، وزياقٍ مزقوها، ومعتقداتٍ أفسدوها، اللهم تلعنهم، وتلعن
آباءهم وتعذبهم، وتعذب آباءهم عذاباً تستغيث منه أهل النار لأهل
النار، منهم يغوث ويعوق ونثر، وسدوع وسواع وهامان، وقيدر عاقر
الناقة، نيصيب بن بخت جوبالت ياهود المخالف، صخريوت الجن، أبرهة بن
الصياخ، جوبر بن كوش ابن كنعان، وحبتر ونعثل، وقنفذ الأعسر، وكنكر
وإسحاق الأحمر الكافر المتجبر الجلندي ابن كنكر، وأبو بكر وعمر
وعثمان، وطلحة ومعاوية ويزيد، وعمرو بن العاص وشمر، وميمونة
الصفرا، وعائشة الحمرا، وأبو موسى الأشعري وخالد بن الوليد، اللهم
خلد عليهم اللعنة تخليداً إلى أن نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من
مزيد، اللهم العن غباره وأبا لهب سراق الملك الملعون، اللهم العن
الكيسية والفظحية والعزاقرية الحلولية الجابرة الطاغية الباغية، من
دور عزرائيل لدور قابيل، لعنهم الله لعنة كرش مرش، على عدد ورق
الحرش، وشعر الطرش، لعنة أبدية سرمدية لأبد الآبدين، ودهر
الداهرين، ولك يا علي بالحقيقة عابدين، اللهم العن الذين اغتصبوا
الخلافة من مولانا أمير النحل علي، ومنع السيدة فاطمة إرثها من أرض
فدك، اللهم العنهم، والعن أتباعهم وأشياعهم، والعن كل من قال في
مقالهم، ودان في ديانتهم، وكل من تقرب إليهم معتقداً في عقيدتهم
اللهم العنهم لعنة أبدية إلى يوم الدين. وكما أننا نحمد من حمده
مولانا وسيدنا وشيخ ديننا، ومصحح عقيدتنا الحسين بن حمدان الخصيبي
وبهذا معتقد اعتقاداً جازماً ولا أحيد عن ذلك إلى يوم الوقت
المعلوم. اللهم يتوحيدك وتمجيدك أن تطهر قلوبنا، وقلوب إخواننا من
هؤلاء الطغاة والأباسلة أجمعين ولا تجعل للشيطان له علينا سبيل بحق
الزبور والإنجيل بحق الحمد لله رب العالمين".
كان مخلوف يتلو هذا الكلام، وعدنان يغلي ألماً لما يسمع حتى إنه
ليشعر بأنه يكاد يطير كالبازيِّ لينقض على أي شيخ نصيري يلقاه
أولاً.. لقد كان الألم بادياً على محيا عدنان الذي لم يجد ما يقول
غير كلمات تنبي عما يعتمل في داخله.
يالهم من مجرمين كفرة، والله إنهم هم الأبالسة وليس أولئك الأطهار
الذين حشروهم بين كفرة مارقين.
قال مخلوف: لا تعجب يا أخي العزيز مما سمعت فما ستسمعه بعد قليل
سيذهلك حقاً.. ولم تمض أيام حتى سمعت بأن الشيخ الجبلي فطس فقلت
الحمد لله الذي أبعد من طريقي السوء. ولكن بعد أيام أمرني والدي أن
أذهب إلى بيت الشيخ عبد اللطيف مرهج الذي سيخلف الشيخ الفاطس في
تلقيني بقية الدين النصيري..
ذهبت إليه رجلاً إلى الأمام وأخرى إلى الخلف كما يقولون، أما التي
للخلف فهو كراهية أهل الباطل والاقتراب منهم، وأما التي للأمام فهو
حب الاطلاع ومعرفة ما عليه هؤلاء الناس من الباطل فطالما أخفوا
الديانة عن الآخرين، ولو كانت ديانة صالحة محترمة لأظهروها، ولكنها
سبة في جبين كل من يعتنقها إلى يوم الدين.
تقول السورة الأولى من سور الصلاة النصيرية، ويسمونها (الدستور):
" بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: إذا أردت النجا والدخول
واستفتح وقول: قد أفلح من تصبّح في ولاية مولاي أمير النحل علي
الأنزع الأصلح الأجلح الذي في ذكره أفوز وأنجح. وأشير وأستفتح.
بدأت في أول إجابتي في الإقرار في معنوية مولاي أمير النحل علي.
بحيدر استفتحت وفيه فزت ونجحت وفيه ختمت، وعليه توكلت، وبه آمنت
لأنه ربي ورب آبائي الأولين والآخرين. والحمد لله على ثبات الدين،
وصحة اليقين، والطاعة لله رب العالمين، إذ قال السيد أبو شعيب محمد
بن نصير: اسمع يا يحيى يا بن معين إذا دهاك الداهي ونزل بك نازل
ذكر نفسك بنفسك وقل يا دليل في أدلته، يا ظاهر في صورته، يا باطن
في حكمته، يا عالم في دعوته، يا من تجيب الذات في ذاته، يا من خاطب
المعنى في اسمه ونفسه وصفاته، ياكل، يا أول، يا أزل لم تزل، يا معل
العلل، يا مبدي، يا منشي حركات الأول، يا مفني حركات أرباب الدول،
يا أول قبل كل أول، يا آخر بعد كل آخر يا علي، يا معنصر العناصر،
ويا مجوهر الجواهر، يا علي يا قادر يا قاهر، يا علي يا غاية
الغايات، يا منهي النهايات، يا مبدي البدايات، يا علي يا عالم
بأسرار الخفيات، يا علي يا باسط الأرضين ويا رافع السماوات، يا علي
يا حاضر يا ناظر يا موجود، يا بالغ يا مقصود، يا علي يا معبود، يا
من كل شيء منك ابتدا وإليك يعود، يا من أشرق منك النور وفيه يغرب،
أنت الله الذي لا إله إلا أنت ولا معبود سواك، يا من تسميت في كل
صفة اسماً، وفي كل اسم مقاماً، وفي كل مقام باباً، وفي كل باب
مقصداً ندخل منه ونشير إليه، أنت الكل هو يا هو، يا من لا يعلم مما
هو إلا هو، اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل يا علي يا عظيم
في سلك مسائل من سلكون يا سلكون أسألك في راشد المرشدين في السيد
محمد خاتم النبيين التقي النقي الأمين المصلي في الواحد وخمسين أن
توالف علينا.
اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل يا علي يا عظيم ما بين
قلوبنا وقلوب إخواننا المؤمنين على هذا العلم والإيمان والبر
والتقى والدين، وتخرجنا من الشك والشرك والثنبويسية، وتردنا إلى
طاعة الرحمن، وتجعلنا لهم شيعاً وتبعاً حتى نذكر رحمتك الطاهرة،
ومشيئتك القاهرة، ونعمتك التامة، وسنتك الجارية، وحقك الواجب وفرضك
اللازم أن توالي علينا بالحسين بن حمدان الخصيبي شرف الله للعلا
مقامه وعلا له شخصه وشأنه ولحقنا.
اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل يا علي يا عظيم بعلمه،
وعالم علمه، لأن علمه علم الصفا، ومحله محل الصدق والوفا، بسم الله
وبسم (س) سيد أبي عبد الله الذي عرفنا معرفة الله، شرف الله العلي
مقامه، وعلا الله شخصه وشانه".
قال مخلوف: أما سمعت يا أخي هذا الكفر الصريح الذي ليس عليه ستر
ولا غطاء. برئت يا علي بن أبي طالب مما يقول الكافرون فأنت مسلم
مخلوق لرب العالمين.
اسمع يا عدنان ما يقوله هؤلاء المفترون على الله ثم على علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، من الهراء في أسلوب شائن دنيء، وأسلوب يخالف
اللغة العربية. اسمع للسورة الثانية من سور صلواتهم والتي يسمونها
(سورة تقديسة لبيك):
"بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى: اللهم أسألك يا مولاي يا
أمير النحل يا علياً يا عظيم بأحسن ما يرى وهو نائم في منامه وإلا
منادياً ينادي في السما يسمع الحس ولم ير الشخص وهو يقول: يا علياً
لبيك لبيك، يا علياً سعديك سعديك، مولاي علي يا ابن أبي طالب أنت
ربي باطن ظاهر اللهم إني أسألك وأتوسل إليك أن تحسن حالنا وحال
وقوف إخواننا المؤمنين بين يديك وتسبغ علينا في نعمتك، وترحمنا في
رحمتك، وتثبت لنا في الإقرار على معرفتك ورحمتك التامة، وسنتك
الجارية، وحقك الواجب، وفرضك اللازم، سر الوالي ابن الوالي أبو
الحسين محمد بن علي الجلي شرف الله العلي سره".
أما السورة الثالثة وتسمى (تقديسة أبو سعيد) فهي:
"اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل يا علياً يا عظيم يا أزل
يا فرد يا قديم، يا علي يا كبير يا أكبر من كل كبير، يا خالق الشمس
والقمر المنير يا علي يا قدوة الدين، يا عالم يا خبير، يا راحم
الشيخ الكبير، يا منشيء الطفل الصغير، يا جابر العظم الكسير، يا
محل كل يسير من غير عسير، الذي يعرف المعرفة وينكرها عليه وعلى أبو
دهية ما يستحق من الله وعلى أبو سعيد السلام ورحمة الله.
سر الشب التقي النقي الظاهر بالشفقة أبو سعيد الميموني ابن قاسم
الطبراني المجاهد في سبيل الله، التايب عن الذي حرمه الله شرّف
الله العلي مقامه وعلى شخصه وشانه".
أليس الذي تسمع منتهى الكفر والإلحاد لقد جعلوا من بشرٍ خالقاً لكل
شيء!! ألا ساء ما يؤمنون، ألا ساء ما يأفكون.
قال عدنان: وكيف استطعت حفظ هذه الخزعبلات.
قال مخلوف: كان عليّ أن أحفظ هذه السور عن ظهر قلب وقد طلب الشيخ
عبد اللطيف أن أحرق كل ورقة كتبت عليها سورة عند تيقنه من حفظي لها
يحجة الخوف من وقوع هذه الوريقات بيد غير النصيريين حتى تظل عقيدة
الكفر محمية في ظلمات من خلفها ظلمات.
اسمع معي سورة النسبة التي حشر فيها الشيخ عبد اللطيف اسمه ليضمه
إلى القائمة السوداء المتجهة إلى جهنم:
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: احسن طريقي لله وتوفيق بالله
عقدي واعتقادي بسر عقد (عمس) أول سمعي وسماعي من شيخي وسيدي ووالدي
الذي أنعم عليَّ كما أنعم الله علي بمعرفة (عمس) أول سمعي من عبد
اللطيف من نور الدين وسمع نور الدين من سلمان، وسمع سلمان من عيسى،
وسمع عيسى من أحمد، وسمع أحمد من موسى، وسمع موسى من حقيقة
الاستماع، وسمع حقيقة الاستماع من أبو الفتح محمد ابن علي العراقي،
وسمع أبو الفتح محمد ابن علي العراقي من أبو الحسين محمد ابن علي
الجلي، وسمع أبو الحسن محمد ابن علي الجلي من شيخنا وسيدنا أبي عبد
الله الحسين ابن حمدان الخصيبي، وسمع شيخنا وسيدنا أبي عبد الله
الحسين ابن حمدان الخصيبي من شيخو وسيدو أبو محمد عبد الله ابن
محمد العابد الزاهد الجنان الجنبلاني المذكور بالفارس، وسمع من
شيخو وسيدو محمد ابن جندب يتيم الوقت والزمان، وسمع محمد ابن جندب
من السيد أبي شعيب محمد ابن نصير، وسمع السيد أبي شعيب محمد ابن
نصير من مولانا الحسن الآخر العسكري منه صح النسب وقام الدين.
وفَّق الله شيخنا توفيق العارفين كما عرَّفنا على طريقة إخواننا
المؤمنين، اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل يا علياً يا
عظيم أن تجعلنا حجة معهم ولا حجة عليهم، وأن تجعلنا حجة بالحق ولا
حجة بالباطل.
وفَّق الله شيخنا وسيدنا توفيق العارفين كما عرفونا على طريقة
إخواننا المؤمنين العارفين: إخواني العراقية، إخواني الجلية،
إخواني الجسرية الذين جمعوا النسب وقاموا الدين بسر مولانا وسيدنا
وخالقنا ورازقنا مولانا الحسن الآخر العسكري علينا من ذكرهم الرحمة
والسلام ثم التسليم بحق الحمد لله رب العالمين".
أرأيت يا صاحبي أرأيت الإله الآخر والخالق الثاني المشارك الحسن
العسكري. أهذه عقيدة تستحق الاحترام أو الاتباع؟
معاذ الله أن أكون من الجاهلين!!
وبينما هما كذلك إذ ظهر أمامهما رجل عجوز يرعى مشاية له، فتوقفا عن
الكلام. اقترب العجوز منهما وحياهما، فحيياه بأحسن من تحيته،
ولكنهما لم يزيدا على ذلك شيئاً ليحولا دون جلوسه معهما، كيلا يفسد
عليهما الحديث، وكأن الرجل كان في شغل عنهما، فتابع سيره خلف
البقرات.
استأنف مخلوف الحديث قائلاً: لا يستطيع أحد أن ينكر حقيقة الكفر في
التعاليم النصيرية، وليس بمقدور عاقل أن يدافع عنها. استمع إلى
السورة الخامسة من سور الصلوات النصيرية لتدرك أن سمة الكفر تكاد
لا تفارق حرفاً منها:
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح،
ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره
إنه كان توابا.
شهدت بأنه مولاي ومولاك أمير النحل الذي فتح لنا فتحاً مبيناً
وثبتنا وهدانا على صراط مستقيم، أشهد وأقر، وقّرت جوارحي ونطق
لساني، بأن لا إله إلا مولاي ومولاك أمير النحل علي الأنزع البطين
الذي اخترع اسمه العظيم السيد محمد من نور ذاته، وجعله موافقاً
باسمه ونفسه وصفاته، متصلاً غير منفصل عنه، كحس النفس من النفس،
وكشعاع الشمس من الشمس، وكدوي الماء من الماء، وكلمع السيوف من
السيوف، وكلمع البرق من البرق، وكصوت الرعد من الرعد، سماهم الله
وقلّدهم في مقاليد ملكه، وأمرهم أن يخلق.
خلق السيد سليمان من نور نوره، وجعله باب مسبب الأسباب لا ندخل إلا
منه، ولا معرفة إلا فيه هو الباب المقيم. اختص السيد سلمان بأمر
الحجَّاب الخمسة الأيتام الأكرام الذين سماهم الله وكناهم، وجعلهم
راية العلم والإيمان.
أولهم يتيم الله الأكبر والمسك الأذفر، والكوكب الأزهر، والزبرجد
الأخضر والياقوت الأحمر المقداد بن الأسود الكندي. وأبو الذر جندب
بن جنادة الغفاري وعبد الله بن رواحة الأنصاري وعثمان بن مظعون
النجاشي. وقنبر بن كادان الدوسي.
يليهم الله عدة العالم الكبير النوراني، يليهم الله عدة العالم
الصغير البشراني الروحاني، هم أولينا عبيد إلى مولانا علي عابدين
ساجدين إلى مولانا أمير المؤمنين إنهم لا يشكون ولا يشركون ولا
يدخلون لله إلا من باب، ولا يفصلون ما بين المعنى والاسم والباب.
وأنتم يا إخواني المؤمنين مأمونين مستورين على عداكم منصورين، سر
الفتح ومن فتح الفتح، ومن كان على يده الإيمان نصر الله والفتح. سر
سيدنا محمد وفاطر والحسن والحسين ومحسن اسمهم الخفي علينا من ذكرهم
الرحمة والسلام ثم التسليم بحق الحمد لله رب العالمين ".
وهكذا هم في كل ما يقولون لا يصدرون إلا عن كفر وإلحاد وتأليه لعلي
كرم الله وجهه.
نظر مخلوف إلى صاحبهه خشية أن يكون ملّ السماع وقال له: هل ضجرت من
السماع؟
قال عدنان: زدني زادك الله إيماناً وحرصاً، وبعداً عن الباطل وأهله
عليّ أن أعرف كل شيء. قبل أن أقع في الفخ. هات هات هات.
قال مخلوف: أما السورة السادسة التي يسمونها (سورة السجود) وهي:
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: الله أكبر الله أكبر بك
استجرت تجيرني، وبك استعنت تعينني يا سيدي يا محمد يا فاطر يا نور
وجه الله الأعظم.
لله السجود للواحد المعبود باسم المعنى، جل الباري، للباب قصدت،
وللاسم سجدت، وللمعنى علي بالحقيقة عبدت.
يا علي سجد لك وجهي الفاني البالي إلى نور وجهك العزيز الحي
الدائم. يا علي لك الصدقة، يا علي لك العزة، يا علي لك الوحدة، يا
علي لك الطاعة، يا علي لك الشفاعة، يا علي لك الإشارة، يا علي لك
الربوبية، يا علي لك المعنوية، يا علي لك الإلهية، يا علي لك البدا
والمنية، يا علي لك الملكوتية، يا علي لك اللاهوتية، يا علي لك
الذاتية.
يا علي لك الشهادة، يا علي لك العبادة، يا علي لك الملك يا مالك
الملك، يا علي أمانتنا في باطنك وظاهرك، إمام ووصية، وباطنك غيب لا
يدرك. يا عز من عزك، ويا ذل من جحدك.
ما خاب عبد قصدك، وعبد دعاك، إياك مولاي علي نعبد، بك ومنك يا سيدي
يا محمد يا فاطر نستعين، أمانك أمانك ولا سخط بعد رضوانك.
اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل يا علياً يا عظيم أن تقدس
وترحم جميع إخواننا المؤمنين بأربع أقاليم الدنيا والدين بحق الحمد
لله رب العالمين".
أرأيت يا عدنان ما يقول هؤلاء المفترون ينادون ميتاً كرَّم الله
وجهه وكأنه الإله الحي الذي لا يموت. بئسما قالوا، وبئسما صنعوا.
قال عدنان: إني أذكر جيداً ما كان يقوله لنا الشيخ عبد اللطيف
محذراً من تصديق أساتذة التربية الدينية الذين يجعلون من علي كرم
الله وجهه مسلماً بشراً، وخليفة رابعاً، وكان يلح علينا أن ندع
كلامهم يدخل من أذن ويخرج من الأخرى، ويوصينا ألا نعترضهم، ولا
نصدقهم فيما يقولون، ولذلك كانت تبدو الصفوف المدرسية كالمهاجع
أثناء الحصص الدينية، حتى لكأن المدرس إنما كان يخاطب خُشَباً
مسنَّدة.
ألم تسمع يوم سألت مدرس التربية الدينية: أيصح أن يكون المرء
مسلماً إذا لم يؤد الشعائر الإسلامية.. فبعد أيام من ذلك السؤال،
أمرت ووالدي بالذهاب إلى بيت الشيخ عبد اللطيف وهناك حاكمني الشيخ
وهددني ألا أعود لمثل ذلك أبداً وإلا فإنهم سوف يعذبونني عذاباً
نكراً.
قال مخلوف: لم يفعلوا هذا معك وحدك، فقد تعرض للتهديد والوعيد
فتيان كثيرون قبلك، وليس غريباً ما يصنعون فقد بنوا تعاليمهم على
أنقاض العقل والكرامة.
قال عدنان: إذن ولِمَ يدخلوننا المدارس، ماداموا يحاربون العقل،
ألا يخشون أن نستيقظ ونتمرد عليهم؟
مخلوف: وما قيمة عقل غلبه الهوى، وما وزن عقل بغير إيمان بالله؟
أليست أساليبهم التربوية طمساً للعقل، إنهم ينُّمون الهوى في
نفوسنا، ويلقنوننا إيماناً باطلاً، يا صديقي إن اهتمامهم اليوم
بإدخالنا المدارس، ونيلنا الشهادات العالية، ليس إلا وسيلة لدخولنا
الكليات العسكرية واستلامنا للمراكز الحساسة في الدولة، ألا تتذكر
وصايا وهيب الغانم؟!
قال عدنان: نعم أعلم ذلك وأذكره جيداً، وماذا بعد السورة السادسة؟
أليس هناك سابعة؟
قال مخلوف: بلى وهي السورة التي يسمونها (سورة السلام):
"بسم الله الرحمن الرحيم، قوله تعالى: سبحت وهللت وكبرت، ووجهت
وجهي، وسلمت أمري إلى نور فاطر السموات والأرض. سلمت سلام
العارفين، سلام البدا من المعنى الأزل الفرد القديم، والسلام على
اسم الله سلام على باب الله المقيم، السلام على الخمسة الأيتام
الأكرام الموحدين.
السلام على الحجاب، السلام على الأبواب، السلام على الأيتام،
السلام على النقبا، السلام على النجبا، السلام على المختصين السلام
على المخلصين، السلام على الممتحنين، السلام على المقربين، السلام
على الكروبييين، السلام على الروحانيين، السلام على المستمعين،
السلام على اللاحقين، السلام على أهل مراتب قدسك وأهل الصفا
أجمعين.
السلام على الهدى، ومن تبع الهدى، وطاع الله الملك العلي الأعلى،
وشهد وأقر في ربوبية علي المرتضى ونبوة محمد المصطفى السلام على
عدة الماية ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي أولهم الأبواب وآخرهم
اللحقين. سلام الله عليهم أجمعين.
السلام على سيدي المقداد من ذات اليمين، السلام على سيدي أبي الذر
من ذات الشمال، وأنتم يا إخوتي يا مؤمنين مأمونين على عداكم
منصورين حرسكم الله العلي العلام بالعين التي لا تنام، وجفن لا
يرام، وقلب لا يضام. جمع الله شملنا وشملكم وشمل كافة إخواننا
المؤمنين بأربع أقاليم الدنيا والدين بحق الحمد لله رب العالمين"؟
أما السورة الثامنة فتسمى (سورة الإشارة) وهي:
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: لله ارتفاع القصد والعزة
والإشارة لك يا مولاي يا أمير المؤمنين يا علي يا أنزع يا بطين يا
محيي عظام الدوارس وهي رميم، اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير
المؤمنين أن تجعلنا في عبادتك كاسبين غانمين مؤيدين منصورين ولا
تجعلنا في عبادتك لا خاسرين ولا نادمين بحق دعوة الذي دعاها سيدنا
محمد وهو راكب على ظهر مطيته البيضاء، وهو ينادي الحرب الحرب
الجهاد الجهاد النور النور.
يا فاتق الصخور، ويا زاجر البحور، يامن هانت بين يديك عظائم الأمور
ما خاب عبد قصدك، وعبد دعاك في هذا الدعاء في آخر نهار الخميس من
عشية الجمعة في ليلة النصف من شعبان في خمس ليالي من رمضان واكتب
له الحسنات وامحي عنه الذنوب والأسيات لو كان ثقل جبال الراسيات،
وسكنه جنتك، واسقيه كأس من رحمتك لو كان أكفر أمتك آمين ثم آمين
بحق الحمد لله رب العالمين".
قال مخلوف: بعد هذه السورة أصابني الملل والضجر، وسئمت هذه الكلمات
الخبيثة التي تقطر كفراً وتفوح إلحاداً، فتلكأت عن الذهاب إلى
الشيخ فأرسل إليَّ موبخاً ومتوعداً، فأرغمني والدي على الذهاب
إليه، ولم أجد بداً من ذلك وما حيلة فتى مثلي أينما نظر حوله لم
يجد إلا طواغيت ومجرمين.
ذهبت إليه فأنبني على تأخري فتعللت له فلم يرض إلا بعد أن أشار
إليَّ أن أقبِّل رجليه ففعلت وأنا أكاد أختنق ألماً وغيظاً، وأملى
علي السورة التاسعة المسماة (سورة العين) وهي:
"سر العين العلوية الأحدية اللاهوتية الذاتية الأنزعية الصمدانية
الربانية الإلهية. الإشارة إلى مولانا أمير المؤمنين عليّ الأنزع
البطين. سر الميم المحمدية الاسمية الحجابية الملكية الملكوتية
السرمدانية الهاشمية النورانية.
الإشارة إلى سيدنا سلمان باب الله الأكرم، سر عقد (عمس) عدتي وعدة
إخواننا المؤمنين وبهم نستعين على القوم الظالمين في كل وقت وكل
حين بحق الحمد لله رب العالمين".
ونظراً لتأخري فقد رأى أن أحفظ السورة العاشرة وهي (سورة أشهد أن
الله حق):
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: أشهد أن الله حق، وقوله حق،
وهو الحق المبين، والنار مأوى الكافرين، والجنة مأوى للمؤمنين.
الماء من تحت العرش يطوف فوق عرش رب العالمين، حمالة العرش ثمانية
هم الأكرام هم المقربين هم الهدى هم السبيل. هم عدتي في شدتي في كل
وقت وكل حين بحق الحمد لله رب العالمين".
ولما عدت إله بعد أيام كان حددها لي، وجدته يشرب الخمرة فأسمعته
السورتين، فسُرَّ كثيراً وطلب إليّ أن أشرب الخمر معه مكافأة لي
على الحفظ الجيد، فاعتذرت له مدعياً أن بطني تؤلمني فقال: اشرب
إنها الشفاء من كل داء. ولما رآني مصراً على الامتناع قال: لا بأس
عليك، في المرة القادمة سوف تكون لك حصتان فإنك تستحق الشراب لجودة
حفظك.
قال عدنان: يبدو أن المشايخ النصيرية أكثر الناس ولعاً بالخمرة،
فما من مرة يزوروننا فيها إلا ويطلبون الشراب مع الأكل.
قال مخلوف: بلى يا عدنان ألم أقل لك إنهم قدموا لي الخمرة يوم
تلقيني الديانة وإعطائي السر، لقد كان ذلك اليوم أسوأ يوم في
حياتي. يومها أدركت أن الخمرة مقدسة لديهم.
وبعد ذلك أخرج الشيخ من درج طاولته ورقة مخطوطة أملاها عليَّ هي
السورة الحادية عشر المسماة (السورة الكبيرة):
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو
والملائكة وألو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل
منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
اشهد عليَّ يا حجاب الله العظيم، اشهد عليَّ يا باب الله المقيم
اشهد عليَّ يا ملائكة الله المقربين الذي أنتم إلى الأبواب لاحقين،
اشهد علي يا سيدي المقداد من ذات اليمين، اشهد علي يا سيدي أبو
الذر من ذات الشمال. اشهد علي يا أخي وسيدي في ذلك كما شهد عليَّ
أخ من إخوانك بالحق والحقيق، وعقد الله الوثيق، وعقد الذي عقده
مولاي ومولاك أمير النحل عليّ في يوم خم الغدير. أكد في يوم الند
السيد محمد في اسمه وحجابه. أكد في يوم الند السيد سلمان في بابه
وسبيله أشهد وأقر بأن الصورة المرئية هي غاية الكلية، وليس بكلية
الباري ولا الباري سواه بل هي هو أشياء وإيجاد وإيصاف وإبيان ودين
ويقين ولا كل هي هو جمعاً ولا أحيط ولا اندرك ولا انبصر ولا انتقل
مولاي ومولاك أمير النحل عليّ من حال إلى حال بل هو مقيم على كل
حال.
أول معرفتي بالله أشهد شهادة تقية نقية، مشعشعة نورانية، بيضية
علوية، حجابية محمدية، أشهد شهادة الحق في منهج الصدق، أشهد شهادة
بأن لا إله إلا مولاي ومولاك أمير النحل عليّ، ولا حجاب إلا السيد
محمد، ولا باب إلا السيد سلمان أشهد بهذه الشهادة للمعنى والاسم
والباب وعدة العالم الكبير النوراني، وعدة العالم الصغير البشراني
الرواحني وشيخنا وسيدنا أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي.
شهد بهذه الشهادة بأن لا فيها لا زود ولا نقص في كل عصر وكل زمان،
أشهد عليّ يا إخواتي يا تقاتي. صح ديني واعتقادي بهذه السهادة أحيا
عليها وأموت. وأشهد أن الله عليُّ ربي يحييني ويميتني وهو الحي
الذي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير وإليه المصير.
سر كل من شهد في شهادتنا، ويدين في ديانتنا، ويقول في حقنا. سر كل
مؤمن ديان تبع الحسين بن حمدان الخصيبي من عصره إلى الآن. ألف ألف
سر سادتنا الأبرار الأحرار الأخيار الأطهار، وفي مشرقة الأنوار في
ساير الأقطار، في البر والأبحار، والسهل والأعوار، والسمع والأبصار
والفؤاد، وكل أولئك عند ذلك كان عنه مسؤولا".
قال مخلوف: أخشى أن أكون أطلت عليك في سرد هذه الخزعبلات الظالمة،
والهراء المضلل، فتمل وتسأم.
قال عدنان: إن في داخلي شوقاً دفيناً، ورغبة جامحة للاطلاع على
خبايا العقيدة كي لا أفاجأ أمامهم، فيصدر مني ما يدلهم على
الاستنكار والرفض لما يقولون.
قال مخلوف: ولكن حذار يا أخي أن تحدِّث أحداً بما يدور بيننا فإنهم
إن علموا بما يدور بيننا، وبأنني أفشي سراً عاهدتهم على حفظه لن
يدعونا نفلت من عقابهم الذي لا أثر فيه للرحمة والشفقة، ولا تعجب
من أنهم قد يوكلون لآبائنا أو إخواننا تنفيذ العقاب الذي يصل إلى
حد الموت قتلاً.
قال عدنان: إنهم طالما علمونا منذ الصغر على حفظ السر والكذب على
الناس، ولعل من المفيد أن نتوجه بهذين السلاحين إليهم هم فلا
يشعرون أبداً بما نفكر فيه، ويما يدور بيننا، ولن نستسلم لما يحيط
بالشباب من القهر العقلي والنفسي والروحي ولا يتخلى الله عنا إن
شاء الله أكمل ما بدأت به حتى تتكامل الصورة أمامي، ليكون الموقف
النهائي من النصيرية منطلقاً من الإدراك الصحيح والإحاطة التامة
لتعاليمها من مصادرها وفمها كما يقال.
قال مخلوف: إنهم لا يتورعون عن الكفر مهما كان بيِّناً ظناً منهم
أن ذلك سيظل في منأى عن تفكر العقول والقلوب. اسمع إليهم في السورة
الثانية عشر المسماة (سورة الإمامية) يجعلون علياً كرم الله وجهه
قيّوم الدنيا والآخرة، القابض على كل نفس، وهذه كما تعلم هي من
صفات الله سبحانه وتعالى ولا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته: يقولون:
" بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: سر سيدي إمام الأئمة،
وينبوع الحكمة، ومفتاح الرحمة، بيده الخير وكل نعمة مولاي عليّ
جبار الجبابرة، تاج الأكاسرة، قيوم الدنيا والآخرة، ليث الواثب،
غمام الساكب، محلّ المشكلات الصعايب علي بن أبي طالب، الظاهر من
عين الشمس، القابض على كل نفس، سبحان من خضعت له الرقاب، وهانت بين
يديه أمور الصعاب.
سر إمام كل إمام مولاي علي صاحب العصر، وقايم في الزمان. سر حجابه
السيد محمد سر بابه السيد سلمان. علينا من ذكرهم الرحمة والسلام.
ثم التسليم بحق الحمد لله رب العالمين".
أما السورة الثالثة عشر فهي (سورة الخير) التي تقول:
"بسم الله الرحمين الرحيم: قوله تعالى: سر الخير وما هو الخير، سر
سيدنا محمد بن نصير، سر البقعة الشريفة وما حوت، من سائر الأنوار،
سر شيخنا وسيدنا أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي، سر أولاده
الواحد والخمسين علينا من ذكرهم الرحمة والسلام، ثم التسليم بحق
الحمد لله رب العالمين".
قال مخلوف: ما أسعد أولئك الذين آمنوا بالله حقيقة، إنهم هم
الفائزون المحترمون، ألا ترى بأن الناس ينظرون إلى النصيريين بأنهم
أحقر بني آدم، وليس ذلك لفقرهم أو قلة عددهم بل لما يعتقدون، ولقلة
شرفهم ونخوتهم وشدة نفاقهم.
قال عدنان: ولذلك تجد شبابنا النصيريين يحاولون دائماً عقد
الصداقات مع المسلمين وغيرهم رغبة في الارتفاع إلى ما يرونه أعلى
مما هم عليه. ولكن صاحب الحظ السعيد من يهديه الله فيتجه إلى سلوك
الصراط المستقيم، ويتبع المنهاج السليم.
قال مخلوف: انتبه يا عدنان جيداً إلى هذا الخلط العجيب بين آيات
القرآن الكريم وما يكذبون. فهذه السورة الرابعة عشر من سورة الصلاة
التي يسمونها (سورة الطور) تقول:
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: سر الطور والنور، وكتاب الله
المسطور، والرق المنشور والبيت المعمور، والسقف المرفوع مرفوع
بالقدرة، معمور بالسترة.
سر أربع أركان البيت الهاشمية حمزة وطالب وعقيل والملك جعفر
الطيار.
سر المنزل وما حوى المنزل. سر سيدنا محمد صاحب كل منزل علينا من
ذكره الرحمة والسلام ثم التسليم بحق الحمد لله رب العالمين".
قال عدنان: ألا ترى بأنهم يجعلون الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم
في مرتبة أدنى من مرتبة علي كرم الله وجهه ومن غيره من الأئمة.
قال مخلوف: لا عجب من ذلك فعليٌّ في عقيدتهم هو الإله الخالق الذي
بيده كل شيء، ومحمد صلى الله عليه وسلم حجابه والفرق كبير بين
المقامين عندهم!!
وإنهم يسمون السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ابنة الرسول صلى
الله عليه وسلم:" فاطر" ويدَعون أن لها ابناً آخر غير الحسن
والحسين رضي الله عنهما، وهو سقط ويسمونه محسن الخفي، وهو ما
يذكرونه في السورة الخامسة عشر من سور صلواتهم والتي يطلقون عليها
اسم (سورة الحجابين):
"بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: سر الحجابين، سر حجاب الله
الأقصى، سر حجاب الله الأدنى، سر الملكين الشاهدين العادلين
الكاتبين الحافظين الأزهرين سر سيدي المقداد من ذات اليمين، سر
سيدي أبو الدر من ذات الشمال.
سر فضل الخمسة الأشباح النوارنية المكرمة المعظمة الذي لا تقوم
صلاتنا وصلاة إخواننا المؤمنين إلا بهم، ولا تختم إلا بحقيقة
معرفتهم سيدنا محمد وفاطر والحسن والحسين ومحسن الخفي علينا من
ذكرهم الرحمة والسلام، ثم التسليم بحق الحمد لله رب العالمين".
قال عدنان: تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، إنه الكفر عينه
ولا شيء غيره.
قال مخلوف: لابد أنك سمعت اسم عبد الرحمن بن ملجم.
قال عدنان: نعم إنه قاتل علي كرم الله وجهه.
قال مخلوف: أتدري أنهم يقدسونه ويجلُّونه ويدعون له؟
قال عدنان: إنه لأمر عجيب حقاً! كيف يقدسون من قتل علياً، إنه أحق
بالكراهية والبغض!!
قال مخلوف: يا سيدي إنهم يقدسونه لزعمهم بأنه خلَّص علياً من
الطبيعة البشرية ونقله إلى الطبيعة الإلهية التي هي حقيقته ولهم
تعبير فلسفي خاص بذلك وهو قولهم: قد خّلص اللاهوت من الناسوت. إنه
تعبير غير إسلامي ولا عربي كما ترى.
والأدهى من ذلك أنهم يقدسون اليهودي عبد الله ابن سبأ ويجعلونه أول
الأقطاب عندهم، وأنت تعلم من هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي دعا
إلى ألوهية عليّ كرم الله وجهه في حياته فأمر علي بإحراق جماعة ابن
سبأ فما زادهم الأمر إلا ضلالا وقالوا: إنه الإله لأنه لا يعذِّب
بالنار إلا الله رب النار.
ففي السورة السادسة عشر المسماة (سورة النقبا) يبدو اسم عبد الله
بن سبأ اليهودي ظاهراً جلياً:
"بسم الله الرحمن الرحيم، قال تعالى: سر سيدي نقيب النقبا. سر سيدي
نجيب النجبا، سر اثني عشر نقيبا. سر ثمانية وعشرين نجيباً، سر
أولهم أبو الهيثم مالك ابن التيهان الأشهلي، والبر ابن مغرور
الأنصاري، ومنذر بن عمر بن كناس الأسعدي، ورافع بن مالك الأنصاري،
وأسيد بن حصين الأشهلي، وعباس بن عبادة الأنصاري، وعبادة بن الصامت
النوفلي، وأبو جابر عبد الله بن حزام الأنصاري، وسالم بن عمر
الخزرجي، وأمية بن كعب، ورافع بن ورقة، وبلال بن رباح الحبشي.
سر اثني عشر نقيباً، سر ثمانية وعشرين نجيباً سر أربعين قطباً
أولهم عبد الله بن سبأ وآخرهم محمد بن سنان الزاهري.
سر عبد الله بن سبأ نقيب النقبا، سر محمد بن سنان الزاهري نجيب
النجبا، سرهم سعدهم الله أجمعين في أربع أقاليم الدنيا والدين بحق
الحمد لله رب العالمين".
وبعد أن أتممت حفظ هذه السورة طلب إليَّ الشيخ عبد اللطيف المرهج
أن أعيد على سمعه الشهادة ودعاء السجود، ولكنني لم أكن على درجة
عالية من اتقان الحفظ لهما، فأمهلني أسبوعاً كاملاً لحفظهما وادعيت
بأنني أحرقت الأوراق بعد الحفظ الأول كما أمروني من قبل فأملاها
عليّ، أما الشهادة فهي:" أشهد وأقر، وأدين وأعتقد بأن مولاي ومولاك
أمير النحل عليّ المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا
باب إلا سيد سلمان الفارسي المقصود، ولا رأي إلا رأي شيخنا وسيدنا
أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي صاحب الأمانة والديانة
والعقود والمواثيق والعهود. ولا أعبد إلا مولاي ومولاكم عليّ أمير
النحل علي المعبود ولو ذهبت أهل الكفر والجحود".
واستمع معي الآن إلى أكفر وأسخف دعاء سجود
"بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل
يا علي يا عظيم العظما، يا علي يا حكيم الحكما، يا علي يا عليم
العلما، يا علي يا جبار الجبابرة، يا علي يا تاج الأكاسرة، يا علي
يا قيوم الدنيا والآخرة، يا علي يا عالم بالسر والنجوى بحق هذا
الصلاة والخضوع والركوع والسجود. بحق المواثق والعهود، وبحق لوط
وهود، وبحق توراة موسى وانجيل عيسى وزبور داوود، وبحق قرآن السيد
محمد المحمود، وبحق السيد سلمان الفارسي المقصود، وبحق المقداد بن
الأسود الكندي الذي قُدت منه عوالم الصفا وأهل النور قدود.
بحق الخمسة الأيتام الأكرام الخضاع الركاع السجود، وبحق كتاب
المراتب وكتاب الدبرح وكتاب العقود، وبحق سعد دبح، وسعد بلع، وسعد
الأخبيا وسعد السعود.
وبحقك وبعزتك بسلطتك يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد. يا علي يا
معبود، يا من أنت عن الأوصاف والنعوت والتخاطيط والصور والصفات يا
إلهي متنزه متجرد مفرود.
يا من تشهد لك العالمين بالجود بأنك الرب المعبود. يا من تظهر من
عين الشمس وأنت راكب على أسد من الأسود، وعن يمينك السيد محمد
المحمود، وعن شمالك السيد سلمان الفارسي المقصود وبين يديه
العالمين أهل المراتب يصرحون وينادون ويقولون يا قيوم هذا ربكم
الواحد المعبود، الظاهر الموجود، مقامع أهل الكفر والجحود.
إلهي وسيدي ومولاي من باب رحمته علينا يجود، ويكتب لنا بسلامة كل
مولود ويجعل باب الخير إلينا متصل مورود، وباب الشر والشقا عنا وعن
إخواننا المؤمنين مسدود، ويكبت عنا وعن إخواننا المؤمنين جميع
العدا والحسود والضدود.
الله صلّ وسلم على شخصك يا سيدي يا حاضر في كل وجود. اللهم صلِّ
وسلم على سيدنا علي زين العابدين وجنيد السايح والشيخ حسن الأجرود،
والشيخ إسماعيل في العامود، وتقدس أرواح إخواننا المؤمنين في ساير
الأماكن والحدود. علينا وعليكم السلام ورحمة الله إلى يوم لقا الله
الموعود".
قال عدنان: بئس ما يؤمنون به وما يفعلونه، إن من الشقاء أن يكون
المرء نصيرياً يكفر بالله ويعطل العقل.
مخلوف: ويقولون: عليّ خلق محمداً صلى الله عليه وسلم ومحمد خلق
سلمان الفارسي، وسلمان خلق الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد
السموات والأرض وهم:
المقداد: رب الناس وخالقهم الموكل بالرعود والصواعق والزلازل. وأبو
الدر أي (أبو الذر الغفاري)، الموكّل بدوران الكواكب والنجوم. وعبد
الله بن رواحة الأنصاري: الموكل بالرياح وقبض أرواح البشر. وعثمان
بن مظعون: الموكل بالمعدة وحرارة الجسد وأمراض الإنسان. وقنبر بن
كادان: الموكل بنفخ الأرواح في الأجسام.
* * *
لقد كان للعناية المركزة الفائقة التي أحاطت بالكلب أثرها البالغ
في تحسن صحته، وتطور نشاطه، فقد أصبح الذي يحسب حسابه، بين ساكني
القرية وزوارها وحيواناتها، فما من معركة تنشب بين كلاب القرية أو
القرى المجاورة حتى يكون "المقدم" هو المنتصر الذي يشدُّ إليه
الأنظار، فقد أضحى بحق أحد معالم القرية التي كانت وقت قريب تحيا
على هامش القرى المجاورة لها.
وفي صبيحة يوم شاتٍ هاجم القرية ثعلب شرس قوي، فتصدت له كلاب
القرية التي لم تلبث أن فرت منهزمة أمام بطشه، ولم يصمد له إلا
"المقدم" الذي راح يناوشه.
ويشتد العراك بينهما فيتناهشان، وينال كل منهما من الآخر غير أن
الثعلب يلوذ بالفرار لما أقبلت نحوه بعض الكلاب العائدة إلى القرية
مع الرعاة.
عاد "المقدم" إلى البيت متثاقل الخطوات، تتساقط منه بعض قطرات من
دم جراحاته، فيلعقها ليستسلم لنوم عميق آناً محشرجاً.
ولم يكد الصباح يولد حتى كان ونوس وإخوته في طرطوس في منزل الدكتور
حسن طالبين منه مرافقتهم لمعاينة أبيهم الذي أصبح طريح فراشه،
وأسير جراحه.
عاين الدكتور حسن "المقدم" ووصف له دواء أحضروه من صيدليات طرطوس،
فالتأمت جراحه، وتحسنت صحته، وراح من جديد، يناوش ويهارش، ويكر
ويفر، غير أنه لم يستعد كامل صحته وقوته على ما كان يبدو منه فلم
يعد يحتمل المعارك كما كان سابقاً.
ولم تمض غير أسابيع قليلة حتى بدت على المقدم علامات مريبة غريبة
إذ كثر نباحه وعراكه ليل نهار، وراح يهاجم كل من يقترب منه وينقض
أحياناً على من يحضر له الطعام أو الشراب واختفت هزة الذيل، ولم
يحفظ الودّ، ولم يرع العهد، فعض أم ونوس وونوساً وزوجته وبعض
المارة.
سمع أهل القرية بذلك فأضحوا يتحاشون المرور قرب بيته، أما مخلوف
فقد رفض الاقتراب من بيت جده، وظل بعيداً فقد أدرك أن الكلب مصاب
بداء الكَلَب من أثر عضات الثعلب.
وبعد أيام أصبح المقدم خاملاً ضعيفاً، وانقطع نباحه، وخرجت إفرازات
رغوية من فمه، فقرروا حجره في غرفة مفردة وحملوه إلى الغرفة التي
أعدوها سريعاً بإخراج الحيوانات الأليفة منها، ووضعوه فيها وأغلقوا
الباب دونه، وقد حرصوا على وضع وعاء ما وبعض المأكولات التي كانت
مخصصة له، ولكنه عاف كل طعام ولم يجد أمامه إلا الماء يعب منه، غير
أنه بعد فترة وجيزة أصبح يبتعد عن الماء خائفاً مذعوراً..
لم يخبروا السلطات بذلك خشية قتله وإحراقه، غير أنه لم يمر أكثر من
أسبوعين على ظهور أعراض "الكلَب" حتى فطس.
ولم تمض غير أيام قليلة حتى ظهرت علائم "الكلَب" على أم ونوس، فقد
كانت عضة الكلب في وجهها عندما اقتربت منه لتقبيله وضمه.
ابتدأت علائم المرض في أم ونوس بشعورها بارتفاع الحرارة ثم الحمى،
وتطور المرض حتى أصبحت تحسُّ باضطرابات مختلفة في جسدها وبالتنميل
في أطرافها.
وتقلصت عضلات حلقها ولم يعد باستطاعتها شرب الماء وكلما حاولوا أن
يسقوها أحست بالاختناق فأصبح مرأى الماء يرعبها ويخيفها، ولم
يمهلها المرض طويلاً حتى تتابعت علائمه فظهرت رغوة الفم، وانتابتها
التشنجات، ودخلت في غيبوبة عميقة دامت بضع ليالٍ ماتت بعدها شهيدة
قبلة من فم "المقدم".
وتتابع قطار المرض في القرية أعراضاً وموتاً، ولحق بالركب ونوس
وزوجته.
بعد أيام قليلة حضر إلى القرية الشيخ سلمان أحمد سلمان من قرية
حمين قضاء صافيتا حاملاً معه البشرى إلى من بقي من آل برهوم وهي أن
المقدم "قنَّص" في بيت سلمان بدرة طفلاً في جيله التالي .....!
[1] أصلم الأذنين: مقطوع
الأذنين.
[2] حواكير: ج حاكورة وهي الحديقة الملحقة بالبيت أو القريبة منه.
[3] الصوج: الذنب وهي كلمة عامية ولعلها تركية الأصل.
[4] عيد الرابع: من أعياد النصيرية وهو اليوم الرابع من نيسان شرقي
المقابل لـ 17 نيسان (ابريل) غربي.
[5] المختار: عمدة القرية والمسؤول عن شؤونها.
[6] المتة: نبات يستورد من الأرجنتين ويشرب منقوعه بواسطة ممصة
معدنية.
[7] الجمعة: البيت الذي يجتمع فيه النصيريون في المناسبات الدينية
والاجتماعية.
[8] سواميك: ج سُمُك مفردها السِّماك وهو العمود الذي يستند إليه
السقف.
[9] صرماية عتيقة: حذاء قديم مهتري متقطع (عامية).
[10] تعبير شعبي يعبر عن التنبه إلى أمرٍ ما يستحق التفكير
والمراقبة.
[11] باب التبانة: حي من أحياء مدينة طرابلس الشام بجوار حي بعل
محسن الذي يسكنه النصيريون.
[12] ورقة سورية: ليرة سورية.
[13] الشبُّوقة: غصن شجرة ليس بالغليظ وهو لين مرن وأجوده ما كان
من شجر الرمان (اللفظ عامي).
[14] البرغل: القمح يسلق ثم يجفف بالشمس ثم يجرش.
[15] الشنكليش: يصنع من القريش بجعله كالكُرَات ويجفف بالشمس ثم
يوضع في أوانٍ مقفلة لا يتسرب إليها الهواء حتى ينضج بفعل
البكتريا. |